في مقالٍ لافت حمل عنوان «وصيّة غزّة الأخيرة»، كتب الصحفي والروائي المغربي علي أنوزلا (3 أيلول/سبتمبر 2025) نصًا أدبيًا-سياسيًا بصوتٍ تخييلي لغزّة نفسها، مدينةٍ تتكلّم بضمير المتكلّم لتُعلن وصيّتها في زمن الإبادة.
يستهلّ أنوزلا مقاله المنشور بموقع العربي الجديد بجملة تعريفية مكثّفة: «أنا غزّة، لا أحتاج إلى نشرات الأخبار كي يُنطق اسمي…».
هنا تتحوّل المدينة، كما يكتب، إلى اسمٍ محفورٍ على الجدران المهدّمة وعلى أجساد الأطفال، وإلى صرخات أمهاتٍ بين الركام.
ومنذ 23 شهرًا – يضيف – تُساق غزّة إلى المذبحة، لكنها تنهض من الرماد لتكتب وصيتها الأخيرة لا استسلامًا، بل إيمانًا بأن الاسم سيبقى حيًّا ما دام الدم لم يجفّ.
ذاكرة لا تُمحى… حتى لو مُحي المكان
يؤكد أنوزلا أن الكاميرات وثّقت ما يكفي: بيوتٌ تُنسف، أزقة تُقتلع، مساجد وكنائس تُسوّى بالأرض، وميناءٌ يُردَم «كما لو أن التاريخ نفسه صار جريمة».
ومع محو المكان، تبقى – بحسب تعبيره – «الذاكرة عصيّةً على الجرافات»؛ فالركام يتكلّم والحجارة تحفظ الاسم، ما ينفي وهم الفراغ الذي يمكن محوه من الخريطة.
من رائحة الخبز إلى رائحة الركام
يعقد الكاتب مقارنة موجِعة بين حياةٍ مدنيةٍ نابضة كانت تتشكّل من رائحة الخبز وهدير البحر وصخب المقاهي، وبين حاضرٍ «قمريّ» مشوّه.
ويشدّد على أن القتل لم يقع بالقصف وحده بل بالجوع أيضًا؛ إذ يواجه نصف مليون من أبناء غزّة المجاعة، ويُقتل الأطفال لأن «كيس الطحين صار أغلى من الحياة»، فيما الماء ملوّث والدواء ممنوع والمستشفيات «قبورٌ جماعية». ورغم ذلك – يختم هذا المقطع – لا تعرف غزّة طريق الاستسلام.
مرآةٌ تفضح النفاق والعجز والخوف
في فقرة محورية يكتب أنوزلا: «أنا غزّة، المرآة التي تُعرّي الجميع». فالغرب مكشوفٌ بنفاقه، والأنظمة بعجزها، والشعوب بخوفها وتردّدها.
وإلى العالم الذي يرى ولا يرى، يخاطب نصّه: شاهدتم الجريمة وسجّلتموها ومددتم القاتل بالسلاح والمال، فلا تدّعوا غدًا أنكم لم تعرفوا؛ ستبقى «لطخةٌ على الجباه» لا تغسلها دموعٌ أمام الكاميرات.
عتبٌ صريح على الأنظمة العربية
يوجّه أنوزلا خطابًا مباشرًا إلى الأنظمة العربية: صمتٌ أفصح من الكلمات، خوفٌ بدل الغضب، مصالح بدل الكرامة؛ بعضهم طبّع فوق الجثث وسمّاه سلامًا، وبعضهم اكتفى ببياناتٍ باهتةٍ لا تساوي حبرها.
وسيسجّل التاريخ – بحسب تعبيره – أن غزّة قُصفت واحترقت ودُمّرت فيما كانوا شهودًا صامتين متواطئين عاجزين.
نداءٌ للشعوب: لا تجعلوا الغضب موسمًا
ينتقل الكاتب إلى الشعوب من المحيط إلى الخليج: بعضٌ صرخ، وأكثر صمت أو تردّد.
وصيّته لهم – كما يكتب – ألا يكون الغضب طقسًا موسميًا، بل فعلًا يقتلع الخوف. وإلا «ستموت غزّة مرّتين: بالقذائف وبخذلانكم».
لأبناء غزّة تحت الركام… اعتذارٌ ووعد
يخصّ أنوزلا أبناء غزّة برسالة: «سامحوني… لم أستطع صدّ حمم السماء»؛ لكن أجساد الشهداء «كتبت معنى الحياة»، وهم شهداء الذاكرة التي لا تُباد.
أمّا القتلة، فيتوهمون الانتصار، بينما «الغبار نفسه سيحمل اسم غزّة»، وكل طفلٍ يُقتل «سيعود ألف مرّة في الذاكرة».
يُصرّ الكاتب على أنّ غزّة ليست جغرافيا فحسب، بل ذاكرة تمتدّ آلاف السنين: مرفؤها بابٌ للبابليين واليونان والرومان، ومساجدها وكنائسها شواهد حياةٍ لا تُمحى.
وكلما هُدمت «كتبت نفسها من جديد»، وكلما دُفنت «نطقت الحجارة باسمها»، لتبقى «جمرةً في ذاكرة الإنسانية».
الوصيّة الأخيرة: اكتبوا الاسم… لا تبكوا
يختم أنوزلا بنبرة وصيّة: لا تبكوا غزّة كأنها انتهت، فالبكاء يريح القاتل، اكتبوا اسمها في الكتب والأغاني ودفاتر الأطفال وعلى جدران البيوت التي ستُبنى من جديد.. فغزّة «وُلدت لتقاوم النسيان»، وستظلّ «قصيدة مفتوحة ورواية لا تنتهي»، وجرحًا يفضح خيانة العالم.