لم تكن شوارع مدينة رفح جنوب قطاع غزة تعرفه فقط كأستاذ جامعي وكاتب، بل كرمزٍ للقوة والصبر. في عام 2022، حين فقدت ابنته عبير خطيبها إسماعيل في قصف (إسرائيلي)، وقف الدكتور عمر حرب يشد على يدها باكيًا ومواسيًا، محاولًا أن يغرس في قلبها بعض الأمل. لكن القدر لم يمهله كثيرًا، فبعد ثلاث سنوات، كان هو نفسه الضحية الجديدة للجوع والمرض والإبادة.
استشهد الدكتور عمر، اليوم الخميس، بعد صراعٍ قاسٍ مع السرطان وسوء التغذية وانعدام الدواء، داخل خيمةٍ مؤقتة نصبت له كنازحٍ بائس في غزة. لم يستطع جسده الواهن أن يصمد أكثر: فوزنه الذي كان 120 كيلوغرامًا انخفض إلى 40 كيلو جرام فقط، فيما كان يردد في أيامه الأخيرة أن "الموت أقرب إليه من أي فرصة للنجاة".
لم تكن معركته مع المرض وحده. فقد خسر زوجته ومعظم أبنائه وسبعة من أحفاده في قصف مباشر دمّر خمسة منازل لعائلته، تاركًا مقعدًا فارغًا عند كل مائدة، وصمتًا ثقيلًا في كل غرفة. لم ينجُ من أسرته الكبيرة سوى ابن واحد، يعاني بدوره من "زيادة كهرباء في الدماغ". أما هو، فبقي يحمل أحزانه في جسدٍ نحل حتى صار ظلًّا لنفسه.
في شهادته الأخيرة للحياة، كان عمر حرب نموذجًا لمعاناة النخبة الفلسطينية. لم تحمه مكانته الأكاديمية، ولا اسمه الذي ارتبط بكتبه وطلابه، من أن يُدفن تحت ثقل الجوع والحصار. تُرك وحيدًا في خيمة النزوح، يتجرع الألم بلا دواء ولا غذاء، حتى أسلم روحه لربه شهيدًا.
استشهاده يلخص مأساة كبرى يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة: إبادة جماعية مستمرة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، طالت حتى الآن أكثر من 224 ألف إنسان بين شهيد وجريح، وشردت مئات الآلاف، ودفنت آلاف المفقودين تحت الركام. إبادة لم تستثنِ أحدًا: لا الأطفال ولا النساء، ولا حتى أساتذة الجامعات الذين شكلوا عقل المجتمع وروحه.
رحل الدكتور عمر حرب، ليبقى اسمه شاهدًا على جريمة مركبة: قصفٌ قتل عائلته، حصارٌ جوّعه، ومرضٌ فتك به في غياب العلاج. رحل تاركًا قصة موجعة تروي كيف يُمحى الإنسان مرتين: مرة تحت الأنقاض، ومرة أخرى ببطء داخل خيمة جوع ومرض ونسيان.