تشهد مدينة غزة وشمالها أزمة إنسانية غير مسبوقة تتمثل في انعدام المياه بشكل شبه كامل، حيث يعيش السكان أوضاعا قاسية نتيجة تدمير شبكات المياه وانقطاع الإمدادات الأساسية.
ومع النزوح الجماعي وتكدس أعداد هائلة من المواطنين في المناطق الغربية للمدينة تحوّل الحصول على بضع لترات من المياه النظيفة إلى تحدٍ يومي يهدد حياة مئات الآلاف.
ولم تعد الأزمة مجرد مشكلة خدمية أو إدارية بل تحولت إلى تهديد مباشر للصحة العامة وللاحتياجات الإنسانية الأساسية في ظل افتقار الأسر للمياه الكافية للشرب أو الطهي أو النظافة.
ومع الحصار المستمر ومنع دخول المواد اللازمة لتشغيل محطات التحلية أو إصلاح البنية التحتية تعيش غزة وضعا لم تشهده من قبل، وتزداد المخاوف مع تسجيل حالات متصاعدة من الأمراض المعدية وسوء التغذية خاصة بين الأطفال والرضع وكبار السن، لتصبح هذه الأزمة كارثة صامتة تطرق أبواب كل بيت وتدق ناقوس الخطر بضرورة التدخل الدولي العاجل.
معاناة يومية
ويصف المواطن أبو أحمد المصري (45 عاما) والمقيم في حي الشاطئ يومياته مع العطش قائلا إن عائلته المكونة من سبعة أفراد لا تحصل يوميا إلا على بضع لترات من المياه لا تكفي للشرب.
وأكد المصري أنه يضطر للوقوف في طوابير طويلة فجرا بانتظار صهريج قد يصل أو لا يصل، مشيرا إلى أن النزوح الكبير نحو غرب المدينة فاقم الأزمة لأن عدد السكان تضاعف في أحياء ضيقة، بينما المياه القليلة المتوفرة تنفد بسرعة.
وأضاف: ""حتى حين أشتري المياه من الباعة الجائلين فإنه لا يثق بجودتها لكونها في الغالب مالحة أو ملوثة، مشيرا إلى أن حلمه لم يعد في حياة كريمة كالآخرين بل بجرعة ماء نظيف تسد عطشه وتحمي أطفاله من الأمراض".
أما أم محمد السدودي البالغة من العمر (38 عاما) والنازحة من مخيم جباليا شمال غزة إلى الشيخ رضوان بمدينة غزة، فتروي معاناتها بقولها إن أطفالها الثلاثة يعانون من آلام مستمرة في المعدة بسبب شرب المياه غير الصالحة وإنها لم تعد قادرة على غلي المياه بسبب انقطاع الكهرباء ونفاد غاز الطهي.
وقالت السدودي إن الحصول على المياه أصبح رحلة شاقة إذ ترسل أطفالها لمسافات طويلة ليأتوا بدلو ماء، "لكن حتى الآبار أصبحت جافة أو ملوثة، والعطش لا يرحم أحدا وأنها تضطر أحيانا لتقسيم زجاجة صغيرة من الماء على جميع أفراد أسرتها، وكأنهم يتقاسمون الحياة نفسها".
أعقد الأزمات
وفي خضم هذه المعاناة، حذر المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، من تفاقم أزمة المياه التي وصفها بأنها من أعقد الأزمات الإنسانية التي تواجه المدينة حاليا، موضحاً أن المناطق الغربية تستقبل أكثر من 1.2 مليون نسمة بين سكان ونازحين رغم أن بنيتها التحتية قد تعرضت لدمار واسع جراء العمليات العسكرية السابقة ولا سيما شبكات المياه.
وقال مهنا إن نصيب الفرد اليوم لا يتجاوز خمسة لترات فقط يوميا، في حين أن المعيار الدولي يوصي بخمسين لترا على الأقل، مؤكدا أن الكمية المتاحة لا تكفي للشرب ولا للاستخدامات الصحية الأساسية.
وأوضح أن الأطفال والمرضى وكبار السن هم الأكثر تضررا رغم محاولات البلدية التخفيف من الأزمة عبر صهاريج متنقلة وصيانة محدودة، مشددا على أن حجم الكارثة يفوق بكثير إمكانات البلدية.
ودعا مهنا إلى تدخل عاجل يوفر الدعم اللازم لضمان الحق الإنساني في الحصول على المياه.
من جانبه، أكد مقرر الأمم المتحدة المعني بالحق في المياه، بيدرو أروجو، أن ما يجري في غزة لا يمكن وصفه بالحرب التقليدية بل هو إبادة جماعية تتحمل إسرائيل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية بسبب حرمان المدنيين من المياه والغذاء.
وقال أروجو إن قطع المياه والأدوية يعد جريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي وجزءا من استراتيجية ممتدة للفصل العنصري، مشيرا إلى أن الفلسطينيين يحتاجون يوميا إلى نحو 100 لتر من المياه النظيفة بينما لا يحصل الفرد إلا على خمسة لترات فقط، في حين أن الحد الأدنى في حالات الطوارئ هو 15 لترا.
وأكد أن هذا النقص يؤدي إلى تفشي الأمراض المعدية وسوء التغذية ويجعل الأطفال والرضع الضحية الأولى لهذه القنبلة الصامتة، مضيفا: "إسرائيل تمنع دخول مواد الطاقة وقطع الغيار اللازمة لمحطات التحلية ما أدى إلى زيادة نسبة المياه الملوثة وانتشار الأوبئة".
وطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته وإجبار إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي والسماح بدخول المياه والغذاء والدواء، محذرا من أن إعلان المجاعة رسميا في غزة قد يكون بداية لانهيار إنساني غير مسبوق في المنطقة.
وختم حديثه: "أزمة العطش التي تضرب غزة وشمالها اليوم لم تعد مجرد معاناة محلية بل تحولت إلى قضية إنسانية عالمية تستدعي تحركا فوريا، فالمياه التي تمثل حقا أساسيا للحياة باتت في غزة حلما بعيد المنال يهدد حياة الملايين ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية شعاراته حول حقوق الإنسان".
غزة تواجه العطش.. كارثة إنسانية تتفاقم مع النزوح وتدمير البنية التحتية
خاص- الرسالة نت