يطرح الكاتب عوض عبد الفتاح سؤالًا وجوديًا: هل ستظل ذكرى المولد النبوي احتفالًا فولكلوريًا منقطع الصلة بالواقع؟ أم ستصبح منطلقًا لمشروع تحرري يوازي خطورة اللحظة الراهنة؟ سؤال يختصر التناقض بين أمة تُحيي ذكرى نبيها، فيما تُترَك غزة لتواجه الإبادة وحيدة.
وفي مقاله الأخير على موقع عرب48، يربط الكاتب عوض عبد الفتاح بين ذكرى المولد النبوي الشريف وبين اللحظة التاريخية التي يعيشها العالم العربي والإسلامي، في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وما يرافقها من صمت وتواطؤ رسمي عربي.
ويرى أن هذا التناقض بين إحياء الذكرى النبوية وبين الواقع المأزوم يكشف أزمة قيمية وسياسية عميقة تعيشها الأمة.
المولد النبوي في سياق الإبادة
ويكتب عبد الفتاح أن ملايين المسلمين يحتفون بذكرى مولد النبي محمد، فيما "ماكينة الإبادة الصهيونية الغربية" تعمل بلا توقف، وتبث جرائمها مباشرة على الهواء.
ويضيف أن هذا المشهد يعكس تناقضًا صارخًا بين رسالة النبي العظيمة القائمة على الحرية والعدل والكرامة، وبين واقع أمة تعاني من الانقسام، والشلل، والاستسلام، بل ومن التواطؤ المكشوف من بعض الأنظمة والنخب الإعلامية والثقافية.
الدين بين الفولكلور والتحرر
ويشير الكاتب إلى أن الدين الإسلامي اختُزل اليوم عند فئات واسعة في مظاهر فولكلورية: طقوس احتفالية وصدقات فردية فارغة من مضمونها التحرري والاجتماعي. بينما في جوهره، كان الإسلام ولا يزال مشروعًا لبناء الإنسان والمجتمع ومقاومة الظلم الداخلي والخارجي.
لكن، يوضح عبد الفتاح أن ثمة من يسعى إلى استحضار السيرة النبوية بوصفها منبعًا لقيم عقلانية وأخلاقية تفتح الطريق لنهضة سياسية ودستورية، فيما يقف تيار ثالث – متأثر بالاستشراق الغربي – ليصوّر الإسلام كعقبة أمام الحداثة، وهو زعم دحضته تجارب عملية مثل ماليزيا وتركيا في بعض مراحلها.
الجذور التاريخية وأسباب الانحدار
ويعود الكاتب إلى تجربة الدولة الإسلامية الأولى، التي قادها النبي محمد في المدينة المنوّرة، مستحضرًا "صحيفة المدينة" كنموذج حضاري للتعايش بين المسلمين وغيرهم، ثم امتداد الدولة إلى قوة عالمية هزمت الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية وأسست لحضارة عابرة للحدود.
غير أن مسار الانحدار بدأ مبكرًا مع تفكك الدولة إلى إمارات متناحرة، ثم مع تراجع الدولة العثمانية التي فشلت في مواكبة النهضة الغربية، ما مهّد الطريق لعودة الهيمنة الأجنبية.
ويضيف عبد الفتاح أن مشاريع الإصلاح منذ القرن الثامن عشر لم تحقق سوى نجاحات جزئية، بينما كرّست الأنظمة الوطنية بعد الاستقلال الاستبداد، فأجهضت إمكانات النهضة. وقد جاءت ثورات 2011 لتكشف عمق الاحتقان الشعبي، لكنها أُجهضت سريعًا بفعل الثورة المضادة والدعم الخارجي.
غزة... جرس إنذار إنساني
ويؤكد الكاتب أن غزة، رغم جراحها، تمثل اليوم جرس إنذار إنساني، إذ عرّت "إسرائيل" باعتبارها كيانًا استعماريًا متوحشًا منزوع الصلة بالقيم الإنسانية. وبذلك، فإن غزة أعادت تعريف العلاقة بين شعوب المنطقة ومشروعها التحرري، لتضع العالم أمام اختبار أخلاقي جديد.
ويخلص إلى أن ذكرى المولد النبوي لا ينبغي أن تبقى مجرد فولكلور وعزاء نفسي، بل فرصة لاستعادة الرسالة النبوية كـ"مشروع إنساني – تحرري"، يعيد للأمة توازنها ودورها التاريخي.