قائمة الموقع

الصحة النفسية في غزة.. الزاوية المنسية من الحرب

2025-09-06T17:38:00+03:00
متابعة_ الرسالة نت

في خضم الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، تتجه الأنظار عادةً نحو أعداد الضحايا والدمار المادي، بينما يغيب جانب لا يقل خطورة: الأثر النفسي والمعنوي على السكان. 

موقع "Truthout" الأميركي نشر مقالاً مطوّلاً بقلم غادة أبو معيلق سلط الضوء على هذه الزاوية المنسية، كاشفاً حجم المعاناة النفسية العميقة التي يعيشها الفلسطينيون في القطاع، من الأطفال حتى كبار السن.

تروي الكاتبة مشهداً شخصياً يختزل واقع غزة: حلمٌ بكابوس دبابة تلاحقها في الشارع، ارتجاف الجسد حتى بعد الاستيقاظ، ورعب متجذر في اللاوعي. 

تقول: "يكفي أن يُغلق باب بعنف حتى نرتجف ظناً أنه انفجار". هذه التجربة الفردية تجسد ما يسميه الأطباء بـ "إرهاق الصدمة المزمن" الذي يعيشه سكان غزة بعد أشهر طويلة من الحرب والقتل والحصار.

 

شهادة اختصاصي

وينقل المقال عن الدكتور محمد، اختصاصي الصحة النفسية في مركز إرشاد بدير البلح (تحفظ على ذكر اسمه الكامل لدواعٍ أمنية)، قوله: "الوضع النفسي اليوم أكثر خطورة مما كان في بداية الحرب".

ويصف مشهداً مأساوياً: عيون فارغة بلا دموع، كأن أصحابها يودعون الحياة وهم أحياء، والأطفال والمراهقون على وجه الخصوص يعيشون حالات اكتئاب، عزلة، ومحاولات متزايدة لإيذاء النفس.

 

الفئات العمرية المختلفة

يوضح الطبيب أنّ الأعراض تختلف بحسب العمر:

الأطفال: تبول لا إرادي، التعلق بالأمهات، اضطرابات في النوم، التأتأة، عدوانية، وإعادة تمثيل القصف في ألعابهم. بعضهم، في سن الخامسة، يتحدث عن "الاستشهاد" و"الاحتلال" وكأنها مفردات يومية.

المراهقون: يعيشون بين التمرد والانسحاب، ويعانون من أزمات هوية ويأس عميق.

البالغون: يتأرجحون بين الرغبة في النجاة والشعور بالذنب والمسؤولية.

كبار السن: يواجهون الصدمات بصمت، ونادراً ما يطلبون المساعدة رغم الألم.

 

جيل بأكمله تحت الصدمة

ويؤكد الدكتور محمد أنّ ما يحدث في غزة ليس صدمة فردية، بل "صدمة جماعية هيكلية" تراكمت على مدار أجيال. 

الأطفال الذين كبروا في ظل القصف والفقد، مثل الطفلة "جنان" ذات الأربع سنوات التي نجت من تحت الأنقاض بينما استشهد والداها وإخوتها، يعيشون حياة محطمة. "عندما تبكي جنان تقول لجدتها: أريد أن أذهب لأنقاض منزلنا لأتحدث إلى ماما"، تكتب الكاتبة.

الآثار طويلة المدى

ويرى الاختصاصيون أنّ غياب الدعم النفسي المنتظم يعرض الأطفال والمراهقين لخطر اضطرابات مزمنة مثل:

 

اضطراب ما بعد الصدمة.

القلق والاكتئاب.

اضطرابات في الشخصية.

كما يؤثر هذا الغياب على قدراتهم المعرفية وعلاقاتهم الاجتماعية، ويجعل اندماجهم في المجتمع أمراً شديد الصعوبة.

 

معاناة المعالجين النفسيين

حتى الأطباء أنفسهم ليسوا بمنأى عن الصدمة. يقول الدكتور محمد: "أحياناً لا أتمكن من التعامل مع هذا الكم الهائل من الألم. أسمح لنفسي بالبكاء واليأس، لكن ما يبقيني واقفاً هو الأطفال الذين يبتسمون رغم كل شيء، وزملائي الذين يواصلون العمل".

وينتقد المقال غياب البُعد النفسي عن معظم التغطيات الدولية، حيث يُختزل الوضع في أرقام ضحايا وخسائر مادية. بينما يوضح الدكتور محمد: "الروح الإنسانية لا يمكن ترجمتها إلى أرقام، لكنها جوهر القضية".

حالياً، تعمل مراكز قليلة جداً للاستشارات النفسية في غزة، وبطاقة استيعابية محدودة للغاية. لذلك يؤكد الأطباء أنّ القطاع بحاجة عاجلة إلى:

كوادر مدرّبة.

أدوية وأدوات دعم نفسي.

أماكن آمنة للأطفال.

برامج علاج جماعي ومجتمعي.

خطط طويلة الأمد للتعافي المجتمعي.

واختتم الدكتور محمد حديثه برسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي: "غزة ليست قضية إنسانية فقط، بل قضية أخلاقية ونفسية وثقافية أيضاً. نحن بحاجة إلى دعم عاجل وحقيقي، وإلى استثمار في بناء نظام مستدام للصحة النفسية. لا تدعوا أجيالنا تنشأ من رماد الحرب بلا شفاء".

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00