نشرت صحيفة معاريف العبرية تحليلاً مطولاً للمعلق العسكري ألون بن دافيد، تناول فيه سيناريوهات أي عملية إسرائيلية واسعة النطاق لإعادة احتلال مدينة غزة.
المقال رسم صورة قاتمة للنتائج المتوقعة، محذراً من أن خطوة كهذه ستكون بمثابة كارثة إنسانية للفلسطينيين، ومأساة عسكرية وسياسية لـ"إسرائيل".
وبحسب بن دافيد، فإن الجيش الإسرائيلي يقف مرة أخرى على بوابات غزة، في انتظار قرار رئيس وزراء الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو الذي يرسل إشارات متضاربة بشأن نواياه.
الكاتب يشبّه الوضع بـ"لعبة تخمين إرادة الزعيم"، حيث يحاول القادة العسكريون قراءة لغة جسده وتصريحاته لمعرفة ما إذا كان عازماً على خوض حرب طويلة الأمد أم سيتراجع في اللحظة الأخيرة.
التقديرات العسكرية الثقيلة
ويكشف المقال أن تقديرات الجيش تشير إلى أن احتلال وتطهير كامل لمدينة غزة، فوق الأرض وتحتها، سيكلف حياة نحو 100 جندي إسرائيلي على الأقل، وسيتطلب عاماً كاملاً من العمليات. هذه الأرقام عُرضت أمام "الكابنيت" ليس كمعادلة دقيقة، بل كرسالة واضحة: ما ينتظر "إسرائيل" ليس مجرد "حملة عسكرية"، بل حرب طويلة وشاقة، لا ضمان لانتهائها بـ"حسم" على حماس.
كما أوضح الكاتب أن سرعة العمليات سيكون لها ثمن: فهجوم خاطف قد يحقق إنجازات سريعة في الوعي لكنه سيترك خلفه الكثير من الأنفاق والبنى التحتية، بينما التقدم البطيء وتدمير البنى التحتية بشكل منهجي سيضعف حماس عسكرياً لكنه يفرض بقاءً طويلاً للجيش داخل غزة.
مأساة إنسانية و"نار مشجعة"
ويشدد بن دافيد على أن أي عملية برية واسعة مشروطة بترحيل السكان المدنيين من غزة نحو منطقة المواصي ومخيمات الوسط، التي تعاني أصلاً من اكتظاظ شديد. ويتحدث عن "مناطق فارغة" رُسمت في خرائط قيادة تنسيق أعمال الحكومة لتتحول إلى مدن خيام.
غير أن الفلسطينيين – وفق المقال – لا يبدون استعداداً للإخلاء، مما سيدفع الجيش الإسرائيلي لاستخدام ما يسميه بـ"النار المشجعة" أي قصف قريب من التجمعات السكنية لإجبار الناس على الرحيل.
لكن حتى بعد النزوح، لا تتوافر في الجنوب بنية تحتية لاستيعاب مليون إنسان إضافي: أربع مستشفيات عاملة، وثمانية ميدانية، وشبكات مياه عاجزة، ومراكز غذاء محدودة.
"لا ستالينغراد أخرى"
ويحذر الكاتب من أن إصرار الفلسطينيين على البقاء في بيوتهم سيجعل العمليات العسكرية أصعب بكثير، وسيضع الجيش أمام معضلة تتعلق بالشرعية الدولية، إذ إن أي مجازر بحق المدنيين ستدمر ما تبقى من صورة "إسرائيل" في العالم.
إلى جانب ذلك، يلفت إلى ملف الأسرى الإسرائيليين في غزة، مرجحاً أن بعضهم موجود قرب قيادات بارزة في حماس مثل عز الدين الحداد ورائد سعد، الأمر الذي يقيّد حركة الجيش خشية قتلهم.
ترامب يبتعد عن "الخاسرين"
وعلى الصعيد الدولي، ينبه بن دافيد إلى أن الإدارة الأمريكية بدأت تفقد صبرها إزاء الحرب.
فقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع أن "إسرائيل لا تنتصر في حرب العلاقات العامة"، وكان على وشك وصفها بـ"الخاسرة". ويذكّر الكاتب بأن ترامب، بحكم شخصيته، لا يقف أبداً مع الخاسرين، ما قد يكون مؤشراً على فتور الدعم الأمريكي.
عزلة إسرائيلية متصاعدة
ويؤكد الكاتب أن "إسرائيل" تغرق أكثر فأكثر في "رمال غزة المتحركة"، بينما تخسر يومياً على الساحة الدولية. العالم – بحسب المقال – لم يعد يفهم ماذا تبحث "إسرائيل" في غزة، وهي تتحول تدريجياً إلى دولة منبوذة.
ويضيف أن "إسرائيل" باتت فعلياً تحت حظر تسليح غير معلن من معظم دول الغرب، فيما بدأ النقاش الجدي داخل الولايات المتحدة، وحتى بين الجمهوريين، حول مستقبل الدعم العسكري لها.
ويعتبر بن دافيد أن هذه الضربات لمكانة "إسرائيل" الدولية ستورث آثارها للجيل القادم، كما أن مكانة نتنياهو الشخصية تآكلت بشكل غير مسبوق، حتى باتت قائمة الدول التي يُسمح له بزيارتها تتقلص يوماً بعد يوم.
ارتباك داخل الكابنيت
من المفارقات التي أشار إليها المقال أن جلسة الكابنيت الأخيرة لم تُظهر إجماعاً وزارياً كما في الماضي. حتى وزراء الليكود المقرّبون من نتنياهو تجرأوا على طرح تساؤلات حول الحملة العسكرية المرتقبة ورفض صفقة تبادل الأسرى المقترحة.
ويرى الكاتب أن هذا قد يكون تمهيداً من نتنياهو للانسحاب من المغامرة العسكرية عبر بوابة صفقة الأسرى، لكنه كعادته سيبقى متمسكاً بالغموض حتى اللحظة الأخيرة.
ويخلص ألون بن دافيد إلى أن إعادة احتلال غزة ليست مجرد معركة عسكرية، بل مشروع مليء بالمخاطر الإنسانية والسياسية والعسكرية.
فالكلفة البشرية عالية، والإنجازات غير مضمونة، بينما العزلة الدولية تتسع والدعم الأمريكي يتآكل.
وبينما يوازن نتنياهو بين الضغوط الداخلية والحسابات الشخصية، يبقى مصير غزة – ومعه مصير إسرائيل السياسي – معلقاً على قرار في "اللحظة الأخيرة".