قائمة الموقع

غزة والقدس.. جبهتان ودمٌ واحد يعيدان رسم المشهد

2025-09-08T14:22:00+03:00
من موقع عملية القدس صباح اليوم
خاص_ الرسالة نت

في صباحٍ جديد من باحات الثأر، تكسّرت أوهام الاحتلال بين غزة والقدس معًا. هناك في الشمال الغزي، حيث الأزقة الضيقة والمخيمات التي حفظت أسماء شهدائها، نصبت كتائب القسام كمينًا محكمًا لقوة راجلة مدعومة بالدبابات. لحظات قليلة كانت كافية ليشتعل المكان؛ عبوات ناسفة تدكّ المدرعات، وأجساد الجنود المذعورين تتناثر في ساحة الموت. أربعة جنود قُتلوا على الفور، ودبابات كانت تظن نفسها عصيّة تحوّلت إلى حديد محترق، فيما ارتفعت صيحات المقاتلين بأن الموازين لا تُقاس بما يملكه الاحتلال من آلة، بل بما يملكه الفلسطيني من إيمان ويقين.

وفي اللحظة نفسها، كان قلب القدس يخفق على وقع رصاصتين من شابين خرجا من قريتين في قضاء رام الله. عبرا المفترق كما لو كانا عابرين عاديين، يحملان وطنًا في الصدر وغضبًا متراكمًا منذ عقود. في لحظة خاطفة، صعد أحدهما إلى الحافلة متقمصًا هيئة رجل أمن، ليحوّل لحظة التفتيش إلى لحظة القصاص، فيما الآخر وزّع الرصاص على الجنود والمستوطنين كأنما يكتب على الجدران المائلة أن القدس لن تُهان.

المشهد انقلب بركانًا؛ صراخ المستوطنين، زجاج السيارات المتناثر، وارتباك الجنود الذين لم تسعفهم أسلحتهم الثقيلة أمام يقين مؤمنَين وطلقات بنادق بدائية. سبعة قتلى وأكثر من عشرين إصابة كانت الحصيلة، لكن ما بقي في الذاكرة أعمق بكثير: أن إرادة الحرية لا تُقاس بالعدد، وأن البسيط قد يهزم المعقّد حين يتكئ على الحقّ.

من غزة إلى القدس، كتبت دماء الشهداء لوحة واحدة: أحدهم يترجل شهيدًا عند تخوم مخيم جباليا، والآخران يرتقيان في شوارع القدس العتيقة، ليؤكدوا معًا أن الوطن جسد واحد، وأن دماءه تمتد من بحر غزة حتى أسوار الأقصى.

اثنا عشر قتيلًا للاحتلال في يوم واحد، وخسائر لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بالصدمة التي اخترقت حواجز الأمن والصمت. ارتقى منفذو القدس فور انتهاء عمليتهم، ليسقطوا على تراب المدينة التي أحبوها شهداء، تاركين وصيةً جديدة للأجيال: أن فلسطين لا يحررها إلا أبناؤها، وأن دماءهم هي الطريق الأقصر إلى الحرية.

هكذا التقت غزة بالقدس في لحظة واحدة، لتقول للعالم أجمع إن المقاومة ليست فعلًا عابرًا، بل قدرٌ مكتوب بدماء الأبطال، وإن هذه الأرض، من البحر إلى النهر، لا تزال تنجب رجالًا يهزون عروش المستوطنين.

في هذا المعنى، لم تعد المعركة مجرّد مواجهة عسكرية، بل حالة وجودية تختبر قدرة الاحتلال على تحمّل حربٍ طويلة لا يملك نهايتها، وتمنح الفلسطينيين يقينًا أن صمودهم ليس مجرّد انتظار، بل فعلٌ يغيّر الموازين. وبينما حاول الاحتلال أن يسوّق عملية "عربات جدعون" كمرحلة تعيد له زمام المبادرة، تكشف التطورات أن المشهد يسير باتجاه مختلف: الاحتلال يغرق أكثر في مستنقع غزة، والمقاومة تواصل توجيه ضرباتها النوعية التي ترفع معنويات شعبها وتربك حسابات العدو.

إنها ليست عمليتين منفصلتين في غزة والقدس، بل مشهد متكامل يكتب في دفتر التاريخ: أن الدم الفلسطيني حين يُراق، لا ينحني ولا ينكسر، بل يتحوّل إلى معنى أوسع، يحمل في جوفه وصيةً للأجيال بأن التحرير يبدأ من لحظة وعي، ومن رصاصة تقول: "هنا أرض لا تقبل الغزاة."

 

اخبار ذات صلة