شمال غزة يقاوم.. أكثر من مليون إنسان يتحدّون القصف ويكسرون مخطط التهجير

غزة - خاص الرسالة نت

على مدار شهور متواصلة، تحولت سماء شمال غزة إلى مشهد يومي من الدخان والانفجارات، فيما لم تعد شوارعها تعرف السكون أو الأمان، في وقت يواصل الاحتلال الإسرائيلي قصفه المكثف للبنايات السكنية والأحياء الشعبية والمخيمات.
ويأتي ذلك في إطار حملة إبادة جماعية غير مسبوقة، لكن رغم كل ذلك بقي شمال غزة حيّا بأهله الذين رفضوا مغادرة أرضهم.
ورغم أن الظروف المعيشية باتت شبه مستحيلة، من انقطاع المياه والكهرباء وغياب الخدمات الأساسية وتدمير البنية التحتية، إلا أن أكثر من 1.2 مليون فلسطيني في شمال غزة ومدينة غزة اختاروا الصمود على أرضهم، معتبرين أن النزوح جنوبا ليس سوى خطوة أولى نحو التهجير القسري الدائم الذي يسعى الاحتلال لفرضه.
ولعل هذا الثبات لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة وعي جمعي بأن الرحيل يعني خسارة الأرض والهوية وأن البقاء مهما كان ثمنه، هو شكل من أشكال المقاومة الشعبية.
وضع سيء
ويصف المواطن عماد عبد الغني، أحد سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، الوضع المعيشي بأنه "لا يُحتمل لكنه ليس مبرراً للرحيل".
وقال عبد الغني: "منذ بداية العدوان لم يمر يوم واحد دون سماع أصوات الانفجارات أو رؤية سحب الدخان تتصاعد من منازل مدمرة قريبة، ورغم ذلك أؤمن أن بقائي هنا هو شكل من أشكال المقاومة، فالمغادرة تعني القبول بخطة التهجير التي يريدها الاحتلال".
وأوضح أن المخيم يعاني من نقص حاد في الغذاء والماء الصالح للشرب، لكن الأهالي اعتادوا على تقاسم ما يتوافر بينهم، في صورة من صور التضامن الاجتماعي: "أحيانا نتشارك عائلة واحدة رغيف خبز واحد. الناس هنا يعرفون أن قوتهم في وحدتهم ولذلك يستحيل أن يتركوا المخيم مهما اشتدت الظروف".
أما على صعيد الوضع الصحي، فأكد عبد الغني أن المستشفيات شبه مشلولة، فيما يعتمد السكان على إسعافات أولية بدائية: "الدواء شبه منعدم والمستشفيات في غرب غزة مكتظة بالجرحى. حتى الحصول على ضمادات أو مسكنات صار أمراً معقدا، ومع ذلك الناس يتعاملون مع الجروح بإمكاناتهم، ويقاومون بأجسادهم كما يقاومون بوجودهم".
وختم عبد الغني حديثه بالتشديد على أن فكرة النزوح غير واردة إطلاقا: "أبي ولد في هذا المخيم وأنا ولدت هنا وأبنائي كذلك، لن نغادر مهما فعلوا، إذا غادرنا اليوم فلن نعود غدا، هذا ما يريدونه ونحن نرفضه بشكل قاطع".
من جهته، يروي المواطن طارق النجار من حي الصبرة وسط مدينة غزة تفاصيل حياة يومية تتسم بالقسوة: "منذ أسابيع ونحن ننام على أصوات الغارات، وأحيانا نصحو على خبر فقدان جار أو قريب، لكن رغم الرعب المستمر أشعر أن البقاء هنا هو واجب وطني وإنساني وأخلاقي".
وقال النجار إن البنية التحتية في الصبرة تضررت بشكل شبه كامل، إذ تضخ المياه بشكل متقطع إن توفرت أصلا، "نملأ أواني المياه من الآبار أو نجلبها بالدور من أقارب في مناطق أخرى. لكن كل هذا لا يجعلنا نفكر بالرحيل، الجنوب ليس أفضل حالا".
وختم حديثه بشعار يردده معظم أهالي غزة: "هذه أرضنا وهذا بيتنا، قد يهدمون الحجر لكن لا يمكنهم اقتلاعنا من الجذور".
جريمة تهجير قسري
في حين، أكد المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، أن أكثر من 1.2 مليون إنسان ما زالوا في مدينة غزة وشمالها ثابتين في أرضهم يرفضون بشكل قاطع النزوح نحو الجنوب رغم شدة القصف والإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في محاولة لفرض جريمة "التهجير القسري" المخالفة لكل القوانين الدولية.
وقال المكتب الإعلامي إن عدد سكان غزة وشمالها يتجاوز 1.3 مليون نسمة، منهم نحو 398 ألفا من سكان شمال غزة (غالبيتهم نزحوا مؤقتا إلى غرب غزة)، وأكثر من 914 ألفا من سكان محافظة غزة، بينهم 300 ألف نزحوا من الأحياء الشرقية للمدينة نحو وسطها وغربها.
وأوضح البيان أن الطواقم الحكومية رصدت خلال الأيام الماضية ظاهرة "النزوح العكسي"، حيث عاد أكثر من 12 ألف مواطن إلى مناطقهم الأصلية بعد أن اضطروا للنزوح جنوبا تحت وطأة القصف، وذلك بسبب انعدام مقومات الحياة في الجنوب.
ولفت إلى أن منطقة المواصي في خانيونس التي تضم نحو 800 ألف نسمة وتسوقها إسرائيل كمناطق "آمنة"، تعرضت لعشرات الغارات أسفرت عن آلاف الشهداء، مؤكدا أن هذه المناطق تفتقر إلى كل مقومات الحياة من مستشفيات وبنية تحتية ومياه وغذاء ومأوى.
وختم المكتب بيانه بالتنديد الشديد بجرائم الإبادة الجماعية والتهجير القسري، محملا الاحتلال وحلفاءه المسؤولية الكاملة، ومطالبا المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لحماية المدنيين وضمان حقهم في البقاء بأرضهم بأمان وكرامة.
من جانبه، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من خطر وشيك لانقطاع كامل في شبكات الاتصالات والإنترنت بفعل الاستهداف الإسرائيلي المتكرر للأبراج السكنية والبنايات العالية، في إطار سياسة تهدف لتدمير البنية التحتية المدنية ودفع السكان للنزوح القسري.
وأوضح المرصد أنه وثق استهداف برج "مشتهى" المكون من 15 طابقا بخمس قنابل شديدة الانفجار، ما أدى إلى تدميره بالكامل وتضرر مئات الخيام المجاورة.
وأشار المرصد إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الاستهدافات إلى تعميق سياسة المحو العمراني، وترهيب المدنيين، ودفعهم للنزوح القسري، فضلا عن تدمير البنية التحتية الحيوية لشبكات الاتصالات بما يفاقم عزلة السكان ويقوّض قدرتهم على توثيق الجرائم.
وبيّن أن شبكة الاتصالات تواجه خطر الانهيار الكامل أيضاً بسبب توقف محطات التشغيل جراء نفاد الوقود، وهو ما يهدد بعزل غزة تماماً عن العالم الخارجي، ومنع سكانها من طلب المساعدة أو توثيق الانتهاكات.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير