استهداف وفد حماس في الدوحة يثبت أن القيادة ليست منصبًا بل تضحية

الشهداء الثلاثة أبناء القائد خليل الحية
الشهداء الثلاثة أبناء القائد خليل الحية

خاص_ الرسالة نت

أثبت الاحتلال الإسرائيلي مجددًا أن استهدافه لا يقتصر على غزة المحاصرة، بل يمد يده ليطال حتى قادة المقاومة المتواجدين في الخارج، بما في ذلك الوفد المفاوض لحركة المقاومة الإسلامية "حماس". فالغارات الجوية التي استهدفت العاصمة القطرية الدوحة أمس الثلاثاء، في محاولة لاغتيال عدد من قيادات الحركة، بينهم مسؤولون بارزون في المكتب السياسي وأعضاء الوفد المفاوض، حملت رسالة واضحة: الاحتلال لا يفرّق بين مقاتل في الميدان وقائد سياسي على طاولة التفاوض.

ومع فشل محاولة الاغتيال ونجاة الوفد، برزت حقيقة باتت راسخة لدى الفلسطينيين: هذه القيادات ليست نخبة معزولة عن شعبها، بل تعيش التضحيات ذاتها التي يعيشها الناس يوميًا. أبرز مثال على ذلك القيادي خليل الحية، رئيس حماس في غزة ورئيس الوفد المفاوض، الذي قدّم ثلاثة من أبنائه وعددًا من أحفاده شهداء على مدار سنوات العدوان، ليجسّد نموذج القائد الذي يدفع من دمه وعائلته ثمن انتمائه، تمامًا كما يفعل أبناء شعبه.

خليل الحية، المولود عام 1960، خاض مسيرة طويلة في صفوف الحركة، شغل خلالها مواقع قيادية متعددة منها نائب رئيس حماس في غزة وعضوية المجلس التشريعي، وتولى بعد استشهاد يحيى السنوار قيادة الحركة في القطاع، إضافة إلى إدارته ملف العلاقات العربية والمفاوضات مع الاحتلال. بالنسبة له، التفاوض ليس خروجًا من ميدان المعركة، بل استمرار لها على جبهة مختلفة: معركة بالكلمة والورقة لكنها محفوفة بالخطر ذاته الذي يواجهه المقاتلون في الخنادق.

استهداف الحية وأفراد أسرته ليس حدثًا طارئًا، بل جزء من سلسلة طويلة من محاولات الاغتيال منذ عام 2014 حين نجا من قصف أودى بحياة عدد من أقاربه. المحاولة الأخيرة أودت بحياة نجله همام، لينضم إلى شقيقيه اللذين استشهدا في حروب سابقة، في مشهد يلخص كيف تتحول حياة القائد الفلسطيني إلى مرآة لحياة شعبه المثقلة بالخسارات.

هذه التضحيات ليست حكرًا على الحية وحده. معظم قيادات حماس وفصائل المقاومة الأخرى دفعوا أثمانًا شخصية باهظة: استشهاد أبناء وأحفاد، هدم منازلهم، والنفي بين العواصم. هذا الواقع يمنحهم شرعية مضاعفة في نظر جماهيرهم، إذ يرسّخ فكرة أن القيادة الفلسطينية لا تعيش في برج عاجي، بل تتقاسم المصير نفسه مع شعبها، حتى في لحظة التفاوض.

محاولة اغتيال الوفد المفاوض في الدوحة كانت رسالة استراتيجية أكثر من كونها عملية عسكرية فاشلة: الاحتلال لا يعترف بالحصانة السياسية أو الدبلوماسية، ويصرّ على التعامل مع القادة الفلسطينيين كأهداف عسكرية أينما كانوا، حتى تحت رعاية دولية.

بهذه الصورة، يتجلى مفهوم "وحدة المسار والمصير" الذي يتمسك به الفلسطينيون: القادة والمقاتلون والمدنيون في خندق واحد. وعندما يجلس خليل الحية وزملاؤه على طاولة التفاوض، فهم لا يغادرون الميدان، بل يفتحون جبهة جديدة للمعركة، جبهة لا تقل خطورة عن خط النار، يواجهون فيها الاحتلال وهم يدركون أن القيادة ليست منصبًا أو امتيازًا، بل تضحية يومية وأثمان باهظة تُدفع بالدم والروح.