قدّم الكاتب سمير الخالدي قراءة نقدية معمّقة لواقع الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية، مؤكداً أن استمرار هذا النفوذ لم يكن قدراً محتوماً، بل نتاج هشاشة القرار العربي وارتهان النخب السياسية للقرار الأجنبي.
ويطرح المقال المنشور على موقع عربي21 بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2025، سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع المنطقة العربية أن تصوغ مشروعها الخاص في ظل التحولات الدولية الراهنة؟
الجذور التاريخية للهيمنة
يشير الخالدي إلى أن جذور الهيمنة الأمريكية تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما وضع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الملك عبد العزيز آل سعود في قلب معادلة النفط والأمن القومي الأمريكي على متن الطراد كوينسي عام 1945.
ومنذ ذلك الحين، تحولت المنطقة إلى محور صراع استراتيجي خلال الحرب الباردة، قبل أن تصبح واشنطن اللاعب الأوحد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
ويستشهد الخالدي بعبارة جورج بوش الأب: "النظام العالمي الجديد يبدأ من الشرق الأوسط"، ثم بإعادة التأكيد من كوندوليزا رايس عام 2005 أن "الشرق الأوسط الكبير هو قلب المصالح الحيوية الأمريكية".
تدخلات مباشرة وأخرى ناعمة
ويبرز الكاتب مثال العراق كأوضح تجليات التدخل العسكري المباشر. فالغزو الأمريكي عام 2003 أطاح بالنظام السابق لكنه فتح أبواب الفوضى والانقسام، فيما أنفقت واشنطن أكثر من 2.2 تريليون دولار بحسب مشروع "Costs of War" في جامعة براون.
أما ليبيا، فقد شكّلت نموذجاً آخر عندما قادت الولايات المتحدة حلف الناتو عام 2011 لإسقاط نظام القذافي، تحت شعار حماية المدنيين، لكن النتيجة كانت دولة غارقة في الفوضى والصراعات.
في المقابل، يوضح الخالدي أن واشنطن اعتمدت أدوات "القوة الناعمة" في شمال إفريقيا: عبر المناورات العسكرية في المغرب (الأسد الإفريقي)، أو اتفاقات الشراكة الأمنية مع تونس، أو النفوذ غير المباشر في الجزائر. كما استثمرت الجامعات الأمريكية والمنح الدراسية والإعلام في تكريس حضورها الرمزي.
أدوات السيطرة البنيوية
يؤكد الخالدي أن الهيمنة الأمريكية ليست عابرة بل مؤسسية:
عسكرياً: بين 40 و50 ألف جندي أمريكي متمركزون في قواعد رئيسية بالمنطقة مثل قاعدة العديد في قطر والأسطول الخامس في البحرين.
تجارياً وأمنياً: المنطقة تستحوذ على نحو 38% من صادرات السلاح الأمريكي بين 2019 و2023 وفق معهد ستوكهولم SIPRI.
مالياً: الدولار يظل سيد اللعبة، إذ يشكل 59% من احتياطيات النقد العالمي (2024).
شعبياً: استطلاع لمركز الأهرام العربي (2024) أظهر أن 82% من المستطلَعين وصفوا الموقف الأمريكي من حرب غزة بأنه "سيء جداً"، و76% ازدادت لديهم مشاعر سلبية تجاه واشنطن.
السيناريوهات المستقبلية
يعرض الكاتب ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1. استمرار الهيمنة بصيغة معدلة، بحيث تقلل واشنطن تدخلاتها المباشرة وتعتمد على الشراكات الأمنية والتكنولوجية.
2. تعدد الأقطاب، حيث تعزز الصين نفوذها عبر مشروع "الحزام والطريق"، وتوسع روسيا حضورها في ملفات السلاح والطاقة.
3. تراجع النفوذ الأمريكي بفعل أزمات داخلية أو صراع محتمل مع الصين في آسيا، ما يترك فراغاً استراتيجياً خطيراً في المنطقة العربية.
مأزق القرار العربي
يرى الخالدي أن المعضلة الأساسية لا تكمن في حجم القوة الأمريكية وحدها، بل في هشاشة القرار العربي نفسه. فالحكومات تتحرك "كقطع شطرنج" بين موسكو وواشنطن وبكين دون رؤية استراتيجية أو مشروع إقليمي جامع.
الأنظمة التي رهنت ثرواتها للأجنبي مقابل حماية مؤقتة دفعت شعوبها إلى الفقر والتبعية، فيما بقيت شعارات السيادة مجرد غطاء هش ينتظر إشارة من البيت الأبيض أو صندوق النقد الدولي.
ويخلص الكاتب إلى أن الهيمنة الأمريكية ليست قدراً محتوماً، بل نتاج واقع سياسي يمكن تغييره. ويؤكد أن التحرر لا يكتمل إلا بامتلاك المنطقة وعياً جماعياً قادراً على مقاومة النفوذ الناعم والصلب معاً، وبشجاعة الأنظمة في تحمّل مسؤولياتها، وضغط الشعوب لبناء استقلال حقيقي.
السؤال الذي يتركه الخالدي مفتوحاً: هل ستظل المنطقة العربية عاجزة عن صياغة مشروعها الخاص، أم آن الأوان لصوت جديد يخرج من بين الركام؟