في جريمة ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، تقصف قوات الإجرام الصهيوني الأبراج السكنية في مدينة غزة، مُحوّلة أحياء كاملة إلى ركام، ومشرّدة مئات آلاف المواطنين العزّل.
فالأبراج التي عُرفت كـ"أحياء سكنية رأسية" تحتضن آلاف العائلات الفلسطينية، لم تعد قائمة اليوم، بعدما دمّر الاحتلال 1600 برج سكني ، في مشهد يختصر سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها ضد المدنيين.
ولم تقتصر الجريمة على الأبراج، إذ طالت عمليات التدمير أكثر من 13 ألف خيمة كانت بمثابة الملاذ الأخير للنازحين الذين فقدوا منازلهم سابقًا، لتتحول حياة الناس إلى رحلة نزوح لا تنتهي. ومع ذلك، يواصل الاحتلال حربه المفتوحة على كل ما يشكّل مأوى أو حياة للفلسطينيين وسط صمت دولي مريب.
النتيجة الكارثية لهذه الجرائم الإنسانية المباشرة هي تشريد الآلاف من المواطنين ، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، باتوا بلا سقف يحميهم ولا مكان يحتضنهم، وسط ظروف إنسانية قاسية، في ظل الحصار ونقص الغذاء والدواء وجرائم إبادة متواصلة
هذا التدمير الممنهج لا يهدف فقط إلى إسقاط حجارة الأبراج، بل إلى محو مدينة كاملة من الوجود، واقتلاع الإنسان الفلسطيني من جذوره، في محاولة لتغيير معالم غزة وتهجير سكانها قسرًا.
لكن ورغم فداحة الجريمة، فإنّ الفلسطينيين يرون في صمودهم ومقاومتهم الطريق الوحيد لمواجهة مشروع الإبادة، مؤكدين أن غزة ستنهض من جديد، وأن الأبراج وإن سقطت حجارتها، ستبقى رمزًا لصمود شعب لا يُهزم.
الكاتب والمحلل السياسي اياد جودة يرى أن استهداف الأبراج بهذا الحجم "ليس قرارًا عسكريًا عابرًا، بل جزء من عقيدة الاحتلال التي تستهدف المدنيين لإجبارهم على الاستسلام"، مؤكدين أن "التدمير الواسع للبنية السكنية في غزة يعكس عجز الاحتلال عن مواجهة المقاومة ميدانيًا، فلجأ إلى الانتقام من المدنيين وبيوتهم".
أما الخبراء في القانون الدولي فقد شددوا على أن "نسف الأبراج يُصنّف كجريمة حرب مكتملة الأركان، إذ إن استهداف مساكن المدنيين المحمية بموجب اتفاقيات جنيف يندرج ضمن جرائم الإبادة والتهجير القسري".
واعتبر الحقوقي علاء السكافي مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن "التوثيق المستمر لهذه الجرائم سيُشكّل ملفًا دامغًا ضد قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية".
كما يرى أن الهدف الحقيقي من وراء هذه الجرائم هو "كسر إرادة المجتمع الغزيّ وتفريغ المدينة من سكانها، في إطار مخطط تهجير قسري أوسع"، لكنهم أكد أن "إصرار الفلسطينيين على البقاء في أرضهم أفشل حتى الآن كل هذه المخططات".
الاستهداف الواسع للأبراج يسعى لتفكيك النسيج الاجتماعي وإضعاف قدرة غزة على التعافي. إنه رهان على دفع السكان إلى الاستسلام أو الهجرة القسرية. لكن الواقع يكشف العكس: إصرار الفلسطينيين على البقاء في أرضهم يُفشل مخططات الاحتلال، ويحوّل كل برج سقط إلى شاهد على جريمة، ورمز على صمود شعب لا يُهزم.