على الطريق الطويل من حي النصر شمال مدينة غزة نحو جنوب قطاع غزة، اضطرت نانسي أبو موسى، وهي في شهرها السابع من الحمل، إلى النزوح مشيًا على قدميها. كانت السماء تمطر قذائف، والأرض مغطاة بالركام، فيما تدفع أمامها كرسيًا متحركًا متهالكًا يحمل زوجها الجريح، وعلى ظهرها أثقال تفوق جسدها النحيل. وفي أحشائها توأمان لم يُكتب لهما أن يعرفا معنى الأمان.
عشرة كيلومترات قطعتها وسط حشود من آلاف النازحين، كل منهم يحمل جرحًا أو ذاكرة بيت مهدّم. وفي قلب الزحام باغتها المخاض. لم تجد مكانًا، ولا سريرًا ولا طبيبًا، بل أسفلتًا باردًا وفرشتها الوحيدة. هناك، على الطريق، أنجبت طفلين لم يمنحهما العالم سوى دقائق قليلة من الوجود. لم يصرخا، لم يبتسما، لم يعرفا سوى صمت الموت المبكر.
نانسي بقيت حيّة تحمل في جسدها ندبة الولادتين، وفي قلبها ثقل الفقد. رحل طفلاها سريعًا، لتبقى هي شاهدة على جريمة صامتة تتكرر في كل زاوية من غزة. آلاف النساء يواجهن المخاض في ظروف لا إنسانية، بلا مستشفيات آمنة ولا رعاية طبية، فيما يواصل الحصار سحق ما تبقى من مقومات الحياة.
الطريق إلى الجنوب ليس مسار نجاة بل اختبار قاسٍ. نساء يحملن أطفالًا على أذرعهن، وأخريات يلدن وسط الزحام، في حين تلتهم القذائف من يتأخر خطوة واحدة. ومع كل موجة نزوح جديدة، تتكاثر القصص التي لا تجد من يوثقها، سوى عيون مرهقة وقلوب مفجوعة.
القصة التي عاشتها نانسي أبو موسى تعكس مأساة أوسع. فوفقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان، يوجد أكثر من 50 ألف امرأة حامل في قطاع غزة، بينهن نحو 5 آلاف في الشهر التاسع يحتجن إلى رعاية عاجلة. وفي ظل انهيار المنظومة الصحية، تلجأ آلاف النساء إلى الولادة في بيوت مهدّمة أو شوارع مكتظة بالنازحين.
أما الإحصائيات المروّعة فتؤكد حجم الكارثة: تقارير من وزارة الصحة في غزة ومنظمات دولية أشارت إلى أن مئات المواليد الجدد فقدوا حياتهم خلال العام الأخير، نتيجة غياب الحاضنات الطبية ونقص الأدوية والكهرباء، فضلًا عن الولادات القسرية في ظروف النزوح. وفي مشهد يختصر هذه المأساة، تحوّلت ولادة نانسي إلى جنازة صغيرة على الإسفلت، حيث لم يتسع هذا العالم لتوأميها إلا كذكرى عابرة وغياب مبكر.
وبينما تمضي الطوابير نحو الجنوب بلا أفق، تبقى غزة مسرحًا لحياة تُنتزع من رحم الموت، وموتٍ يولد كل يوم في حضن الحياة!