لم يكن انكشاف زيف الرواية الإسرائيلية بعد معركة “طوفان الأقصى” حدثًا استثنائيًا، بل استمرارًا لسلسلة طويلة من الأكاذيب التي رافقت كل هزيمة إسرائيلية منذ تأسيس الدولة العبرية. وكما فضحت وثائق حرب السادس من أكتوبر 1973 أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، جاءت معركة السابع من أكتوبر 2023 لتطيح بأسطورة “المنظومة الأمنية التي لا تُخترق” وتكشف حجم الانهيار الميداني والسياسي الذي حاولت تل أبيب طمسه خلف ستار الدعاية والتضليل.
من شارون إلى نتنياهو.. التاريخ يعيد نفسه
ويستعيد الضابط الإسرائيلي المتقاعد إسحاق أغام -الذي خدم في فرقة الجنرال أرييل شارون خلال حرب أكتوبر- تفاصيل ما يسميه “الخداع الكبير”، إذ كشف في كتابه الجديد عن تسجيلات نادرة توثق كيف خالف شارون الأوامر وضلّل القيادة العسكرية، ما تسبب بخسائر فادحة في الأرواح والمعدات.
ويرى أغام أن “الجنرالات الإسرائيليين في طوفان الأقصى كرروا نفس الأكاذيب”، موضحًا أن قادة "إسرائيل" في 2023 سعوا لتزييف الحقائق وتبرير الإخفاقات بدل مواجهتها، في مشهد “يُذكّر بأيام الغطرسة قبل الهزيمة الكبرى عام 1973”.
أسطورة الأمن تنهار مجددًا
منذ فجر السابع من أكتوبر، اندفعت الدعاية الإسرائيلية إلى تصوير ما جرى باعتباره “هجومًا غير متوقع من تنظيم صغير”، بينما كانت الحقائق الميدانية تقول العكس: انهيار شامل في منظومة الإنذار المبكر، فقدان السيطرة على أكثر من 20 مستوطنة، وتفكك وحدات النخبة في جيش الاحتلال خلال الساعات الأولى.
وكما أخفت "إسرائيل" في الماضي تقصيرها في سيناء، حاولت اليوم تغليف فشلها في غزة بسيل من الأكاذيب: “تسلل محدود”، “تحييد مؤقت”، و”رد ساحق”، بينما كشفت لاحقًا لجان التحقيق الإسرائيلية أن الحكومة كانت تعلم بوجود مؤشرات واضحة قبل الهجوم، لكنها تجاهلتها لأسباب سياسية وانتخابية.
التاريخ يعيد مشهد الغرور والإنكار
يقول أغام في شهادته إن “غرور القيادة” كان أصل الكارثة في الحروب الإسرائيلية. فقبل حرب أكتوبر، رفضت المؤسسة العسكرية التحذيرات من هجوم مصري وشيك، تمامًا كما رفضت أجهزة الاستخبارات عام 2023 تحذيرات من تحركات غير عادية على حدود غزة.
ويرى مراقبون أن “عقيدة الإنكار” باتت جزءًا من الثقافة الإسرائيلية؛ إذ تُقدَّم الأكاذيب باعتبارها سياسة دفاعية تهدف إلى منع انهيار المعنويات، لكن نتيجتها الدائمة واحدة: انفجار الحقيقة من الميدان.
من الأكاذيب الميدانية إلى التزييف الإعلامي
وكما استخدمت تل أبيب في حرب أكتوبر روايات مضللة عن “انتصارات وهمية” في سيناء، أعادت في حرب غزة إنتاج الأساليب نفسها، فادعت “تحرير رهائن” تبيّن لاحقًا أنهم قُتلوا بنيران إسرائيلية، وادّعت “تدمير الأنفاق بالكامل” قبل أن تُفاجأ بظهور مقاتلي المقاومة في عمق المواقع الإسرائيلية.
كما لجأت إلى فبركة فيديوهات ومقاطع صوتية لتبرير قصف المستشفيات والمدارس، متهمة المقاومة باستخدام المدنيين دروعًا بشرية، في حين كشفت تقارير أممية أن معظم الضربات كانت عشوائية ومتعمدة ضد الأحياء السكنية.
أزمة الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي
تتوالى الشهادات من داخل المؤسسة العسكرية لتؤكد أن الكذب أصبح سياسة رسمية. فبعد عامين على معركة طوفان الأقصى، ما زالت لجان التحقيق الإسرائيلية عاجزة عن تحديد المسؤولية المباشرة، فيما تتصاعد الأصوات داخل "إسرائيل" نفسها للمطالبة بمحاسبة الحكومة والجيش.
ويرى محللون أن هذا الانقسام يعكس اهتزاز الأسطورة المركزية التي قامت عليها دولة الاحتلال: التفوق المطلق في الميدان والاستخبارات. ومع كل فضيحة جديدة، يتآكل ما تبقى من ثقة الجمهور في مؤسساته.
من إنكار الهزيمة إلى إنكار الحقيقة
من “عبور المصريين المستحيل” عام 1973 إلى “تسلل حماس غير المتوقع” عام 2023، يتكرر المشهد الإسرائيلي ذاته: قيادة متغطرسة، جيش مرتبك، وإعلام يحاول إعادة كتابة الهزيمة على شكل نصر.
لكن الحقيقة التي يؤكدها التاريخ والميدان أن الأكاذيب لا تصنع الأمن، بل تؤجل الانهيار فقط، وأن ما بدأ في أكتوبر 1973 من انكسار نفسي للجيش الإسرائيلي بلغ ذروته في أكتوبر 2023 عندما أسقطت المقاومة الفلسطينية أسطورة الردع الصهيوني أمام أعين العالم.