في صمت البحر الذي كان يفترض أن يحمل أملاً لغزة، تحولت الموجة إلى زنزانة، والماء إلى حرمان، والرحلة إلى فصلٍ جديد من العذاب الإنساني. هناك، على شواطئ فلسطين الممنوعة، انكشفت فصول جريمةٍ جديدة، حين امتدت يد الاحتلال لتختطف البحر ومن سار فيه.
هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل أيام عشرات السفن التابعة لأسطول "الصمود" في المياه الدولية قبالة غزة، أسطولٌ لم يحمل سوى رغيفٍ مؤجل ودواءٍ لطفلٍ جائع، فصودرت المساعدات، واحتُجز أكثر من 500 ناشط مدني من جنسياتٍ مختلفة، ورُحِّل بعضهم بعد ساعاتٍ من الإهانة والضرب والتعذيب.
لكنّ القصة لم تنتهِ عند حدود البحر.
من داخل السجون الإسرائيلية، بدأت الشهادات تتسرب، لتفضح عالماً من القسوة الممنهجة والمهانة المقصودة.
في محاضر قضائية نشرتها صحيفة "هآرتس" العبرية، قال ناشط نرويجي أمام القاضية الإسرائيلية إيتيل جيفاون:
"وضعونا في حرٍّ شديد، وحرمونا من الماء... وعندما حاولنا النوم، طلبوا من ضباط الشرطة أن يصرخوا علينا. لقد عذبونا."
كانت كلماته كصرخة في وجه صمت العالم.
صرخة عطشٍ في زمنٍ تُمنع فيه المياه عن أجسادٍ عطشى لأنها جاءت إلى غزة.
أما إحدى الناشطات فحكت كيف نُزع حجابها بالقوة وسط شتائم موظفي السجن. قالت الأخرى، يونانية، بصوتٍ متهدج أمام المحكمة:
"طلبتُ محامياً فقالوا لي ابحثي عن محامٍ في غزة... لقد عذبوني، حرموني من الماء. هذه ليست دولة ديمقراطية، أريد التحدث مع السفارة."
ثم أضافت بحرقةٍ موجعة:
"في سالونيك، لدينا جالية يهودية كبيرة عانت في ظل النازية. شاركتُ في أنشطةٍ معهم. لم أتخيل يوماً أن أرى الوجه نفسه للاضطهاد بأيدٍ أخرى."
وفي مرافئ أسدود، حيث لا يُسمع إلا صليل الحديد ووقع الأقدام العسكرية، قال ناشط إيطالي إنه تعرّض للضرب على أيدي الشرطة، فيما تحدّث صربي عن لكماتٍ تلقاها أثناء نقله إلى الحافلة، كأنهم أعداء في معركةٍ لا حقّ لهم في خوضها.
تكررت الشكوى ذاتها في عشرات المحاضر: الحرمان من الماء، من النوم، من المحامي، من الكرامة.
كانت الجلسات القضائية، كما وصفتها هآرتس، تُعقد بسرعةٍ مذهلة؛ محاضر متشابهة، كلمات مكررة، كأن القضاة حفظوا سيناريو العذاب عن ظهر قلب.
كل معتقلٍ يدخل ويقول:
"أحتاج إلى ماء وفراش. أحتاج إلى ماء وطعام. أنا عطشان."
لكنّ العدالة في إسرائيل لم تكن عطشى للحقيقة، بل كانت تُروى بتعذيب الآخرين.
وقالت الصحيفة العبرية إنّ مئات الجلسات عُقدت خلال عطلة نهاية الأسبوع، واستعرضت 288 محضراً قضائياً لمعتقلي "أسطول الصمود"، لتؤكد أنّ الحرمان من الماء والتمثيل القانوني كان سياسة لا استثناء.
أما منظمة "عدالة" الحقوقية الفلسطينية التي تمثل معظم المعتقلين، فقد وثّقت شهاداتٍ مروّعة: تقييد الأيدي لساعات، إجبار المحتجزين على الركوع تحت الشمس، ركلٌ وضربٌ وإهاناتٌ عنصرية، كل ذلك لأنهم جاؤوا يطرقون باب غزة المغلق منذ 2 مارس الماضي، بحثاً عن إنسانيتها الضائعة.
غزة التي ما تزال تحت الحصار والجوع، حيث المعابر مغلقة منذ شهور، وشاحنات الإغاثة تتكدس على الحدود، فيما تسمح إسرائيل أحياناً بدخول كمياتٍ ضئيلة من الطعام لا تسدّ رمق طفلٍ واحد، بينما تتعرض الشاحنات الأخرى للسطو من عصاباتٍ تحرسها قوات الاحتلال.
وفي الوقت الذي يُعذَّب فيه من حاول إنقاذ الجائعين، تستمر المجاعة نفسها في الداخل، وقد أزهقت أرواح 460 فلسطينياً بينهم 154 طفلاً، بينما تجاوز عدد الشهداء 67 ألفاً، والجرحى 169 ألفاً منذ السابع من أكتوبر 2023، في حربٍ لا تزال تُسجَّل كأطول وأقسى فصول الإبادة الحديثة.
الناشطون الذين خرجوا بالبحر حاملين خبزاً إلى غزة، عادوا منه حفاة الأرواح، مقيّدين، عطشى.
لكن أصواتهم الآن تبحر من جديد — لا على ظهر السفن هذه المرة، بل عبر كلماتهم المحفورة في محاضر المحاكم التي حاولت إسكاتهم.
كل واحدٍ منهم خرج من التجربة حاملاً حكاية واحدة:
لقد عذبونا.
ومع ذلك، سيبقى البحر شاهداً على أن الإنسانية حاولت المرور إلى غزة... وأن الاحتلال، كعادته، أطلق النار حتى على الموج.