إسرائيل" بعد عامين من الحرب: اقتصادٌ يترنّح بين الصدمة والانهيار

متابعة_الرسالة نت

بعد مرور عامين على حرب الإبادة في غزة، تقف "إسرائيل" أمام أخطر مفترق اقتصادي في تاريخها. فبينما تحاول الحكومة تصوير الأزمة كـ"مرحلة صمود وولادة جديدة"، تشير الأرقام إلى العكس تمامًا: اقتصادٌ منهك، ومجتمعٌ يترنّح تحت عبء الصدمة النفسية والعسكرية، وخزينة تلتهمها تكاليف الحرب بلا نهاية.

تضاعف الإنفاق العسكري الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، لتصل ميزانية الجيش إلى 28% من الإنفاق العام، وهو أعلى معدل منذ حرب لبنان الثانية عام 2006.

ومع ذلك، لم تحقق تل أبيب أيًّا من أهدافها المعلنة، بينما تجاوز العجز المالي مستويات قياسية، وارتفعت الديون العامة لتصل إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

وتشير البيانات الرسمية إلى تباطؤ حاد في النمو الاقتصادي، وهروب رؤوس الأموال، وانهيار ثقة المستثمرين. 

أما قطاع التكنولوجيا، الذي شكّل لعقود المحرك الأساسي لاقتصاد "إسرائيل"، فقد فقد بريقه، إذ نقلت عشرات الشركات الناشئة مقارها إلى أوروبا والولايات المتحدة بسبب الضرائب المرتفعة وانعدام الاستقرار.

 

تكلفة بشرية باهظة تتحوّل إلى عبء اقتصادي

وخلفت الحرب آلاف الجرحى والمصابين النفسيين، لدرجة دفعت وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى الاعتراف مؤخرًا بأن 20 ألف جندي أصيبوا منذ 7 أكتوبر، أغلبهم بإصابات نفسية مزمنة.

وأفاد تقرير لموقع Ynet Global بأن 56% من المرضى العسكريين في أقسام التأهيل يعانون من اضطرابات عقلية حادة، وسط توقعات بوصول الأعداد إلى عشرات الآلاف بحلول عام 2028.

أكثر من 40 جنديًا انتحروا منذ بداية الحرب، بينهم 16 خلال العام الأخير وحده، في مؤشر خطير على عمق الانهيار النفسي الذي يجتاح المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني معًا.

ووفق دراسة منشورة في مجلة ذا لانسيت، تضاعفت معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق في أوساط الإسرائيليين، مع تقديرات بأن واحدًا من كل عشرين شخصًا يعاني من أعراض مزمنة للصدمة.

 

نظام صحي مختنق ومجتمع يترنّح

وتعاني المستشفيات الإسرائيلية من اختناق حاد بسبب تضخم أعداد المصابين النفسيين والجرحى العسكريين.

وتحوّلت الصدمات غير المعالجة إلى أمراض عضوية كالقلب والسكري والمناعة الذاتية، بينما تُسجّل وزارة الصحة ارتفاعًا في نسب الانتحار والإدمان، خصوصًا بين الجنود المسرّحين.

هذا الانهيار في الصحة العامة يفاقم التكاليف الاقتصادية: فكل حالة اضطراب نفسي تكلف الدولة بين 1.8 و2.2 مليون شيكل (نحو 600 ألف دولار) على مدى الحياة، بحسب دراسة لمؤسسة Social Finance Israel.

وتُقدّر الدراسة أن العبء الوطني الإجمالي لاضطرابات ما بعد الصدمة سيبلغ 50 مليار دولار خلال خمس سنوات — 74% منها خسائر إنتاجية مباشرة بسبب الغياب عن العمل وفقدان الكفاءة.

 

القطاع الخاص يهرب

ولم تقتصر الأزمة على القطاع العسكري أو الصحي، بل امتدت إلى قلب الاقتصاد المدني.

فمع استمرار الحرب، انهارت السياحة وتراجع قطاع الطيران إلى أدنى مستوى منذ جائحة كورونا، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 60% خلال عام واحد.

وفي الوقت نفسه، تواجه البنوك الإسرائيلية ارتفاعًا مقلقًا في القروض المتعثرة، بينما تشهد الأسواق موجات بطالة متزايدة بين الشباب، وانخفاضًا حادًا في القوة الشرائية للطبقة الوسطى، ما ينذر بتحول طويل الأمد نحو اقتصاد ركود مزمن.

 

من “اقتصاد الصدمة” إلى “اقتصاد العزلة”

تحاول الحكومة الإسرائيلية تسويق فكرة "النمو بعد الصدمة"، مستندة إلى نظرية العالِمين ريتشارد تيديسكي ولورانس كالهون حول إمكانية تحويل الكوارث إلى فرص للتجديد.

إلا أن الواقع الميداني يناقض الخطاب الرسمي: الاقتصاد الإسرائيلي لا يتعافى، بل يتقوقع.

فبدل أن تتحول الحرب إلى دافع للتطور، قادت إلى اقتصاد قائم على الخوف، والإنفاق العسكري، والعزلة الدولية.

وباتت "إسرائيل" تعتمد أكثر من أي وقت مضى على المساعدات الأميركية وتدفقات السلاح، بينما تفقد مكانتها كمركز جذب استثماري إقليمي.

 

صدمة اجتماعية لا تخفيها لغة الأرقام

الأزمة ليست مالية فقط، بل وجودية أيضًا.

الأسر تتفكك، الأزواج ينفصلون، والأطفال يعانون من اضطرابات القلق، بينما يفقد الجنود المسرّحون هويتهم المدنية.

لقد تحولت الصدمة الجماعية إلى نمط حياة، تغذّيه الدعاية الرسمية عن “الصمود” وتغطيه بأوهام “النمو بعد الألم”، في حين يغرق المجتمع في عزلة نفسية واقتصادية غير مسبوقة.

 

كيان يتآكل من الداخل

وفي ظل غياب تسوية سياسية واستمرار العدوان على غزة، يبدو أن "إسرائيل" تسير نحو عصر الانكماش الطويل — دولة مثقلة بالديون، منهكة من الداخل، ومجتمع يعاني من تفكك نفسي واقتصادي شامل.

إنها ليست فقط خسائر حربٍ عابرة، بل تآكل بطيء في بنية الكيان نفسه؛ فكل صاروخ تطلقه إسرائيل على غزة، يرتدّ نحو اقتصادها وجبهتها الداخلية في شكل اضطراب، عزلة، وانهيار ثقة لا شفاء منه.