أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أنها أُحيلت رسميًا إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب اثنين من وزرائها، بتهمة التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية التي ارتُكبت خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في تطور غير مسبوق في تاريخ السياسة الإيطالية والأوروبية.
وقالت ميلوني، في مقابلة مع شبكة RAI الحكومية الإيطالية، إنها ووزيري الدفاع جويدو كروزيتو والخارجية أنطونيو تاياني، إضافةً إلى رئيس مجموعة الصناعات الدفاعية ليوناردو، روبرتو سينجولاني، أُحيلوا جميعًا إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة التورط في جرائم الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة.
وأضافت رئيسة الوزراء: “لا أعتقد أن هناك سابقة مماثلة في العالم أو في التاريخ، لكنني واثقة من أن موقفنا القانوني سليم تمامًا.”
ورفضت ميلوني الكشف عن الجهة التي تقدّمت بالدعوى ضدها، مكتفية بالقول إن الاتهامات "غير محددة المصدر" حتى الآن.
في المقابل، نفى متحدث باسم مجموعة ليوناردو الدفاعية، التي تُعد من أكبر الشركات العسكرية في أوروبا، وجود أي علاقة للشركة بجرائم حرب في غزة، واصفًا المزاعم بأنها "ادعاءات خطيرة وتفتقر إلى الأدلة".
وتملك الحكومة الإيطالية أكثر من 30% من أسهم المجموعة، التي تُعد من أبرز مصدّري الأسلحة والتقنيات العسكرية في العالم، وهو ما يثير تساؤلات حول دورها المحتمل في دعم العمليات الإسرائيلية عبر عقود توريد سابقة.
احتجاجات ضخمة وضغط شعبي متزايد
جاء الإعلان عن القضية بعد أيام من موجة احتجاجات واسعة اجتاحت شوارع العاصمة روما وعدد من المدن الإيطالية الكبرى، شارك فيها مئات الآلاف من المتظاهرين المطالبين بوقف تصدير الأسلحة إلى "إسرائيل" والاعتراف بدولة فلسطين.
وشهدت بعض الموانئ الإيطالية أيضًا إضرابات عمالية، حيث هدّد عمال الموانئ بعرقلة شحنات البضائع المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، في حين انسحبت البحرية الإيطالية من مرافقة “أسطول الصمود” المتجه إلى غزة، تحت ضغط الرأي العام المحلي.
وقال أحد منظمي التظاهرات: “ما يحدث في غزة ليس حربًا، بل إبادة جماعية تُنفَّذ بصمت أوروبي، وعلى الحكومة الإيطالية أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية.”
خلفية قانونية: المحكمة الجنائية تتوسع في ملف غزة
وتأتي هذه التطورات بعد أشهر من التحركات المتصاعدة للمحكمة الجنائية الدولية في ملف الحرب على غزة.
ففي نوفمبر 2024، كانت المحكمة قد أصدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي المجرم بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الفترة من أكتوبر 2023 إلى مايو 2024.
ووفق النظام الأساسي للمحكمة، يحق للمدعي العام فتح تحقيق في أي قضية تتعلق بجرائم الإبادة أو جرائم الحرب، حتى لو لم تكن الدولة المعنية عضوًا في المحكمة، بشرط أن تقع الجرائم على أراضي دولة عضو — وهو ما ينطبق على الأراضي الفلسطينية التي تخضع لاختصاص المحكمة منذ عام 2015.
موقف واشنطن وأوروبا من المحكمة
ويُشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد فرض في فبراير الماضي عقوبات على عدد من مسؤولي المحكمة، بسبب تحقيقاتها في ملفات تمس الولايات المتحدة و"إسرائيل"، فيما جدّد الاتحاد الأوروبي تأكيده على دعم المحكمة باعتبارها "ركيزة أساسية للعدالة الدولية".
أما في روما، فحاولت الحكومة الإيطالية التخفيف من وقع التطورات، مؤكدة أنها “تحترم القانون الدولي” لكنها ترفض ما وصفته بـ“تسييس العدالة”.
تداعيات سياسية متوقعة
ويرى محللون أن الإحالة إلى المحكمة قد تفتح أزمة داخلية جديدة في إيطاليا، إذ تواجه حكومة ميلوني بالفعل انتقادات حادة من المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، التي تتهمها بـ"التورط الأخلاقي والسياسي" في دعم الحرب الإسرائيلية.
ويقول المراقبون إن القضية، حتى وإن لم تصل إلى مرحلة التحقيق القضائي الفعلي، فقد تمثل ضربة قوية لصورة ميلوني الدولية، وربما تسرّع من تراجع شعبيتها داخليًا، خاصة مع تصاعد الغضب الشعبي بسبب موقفها المتحفظ تجاه معاناة المدنيين في غزة.
وبينما تتّجه الأنظار إلى لاهاي لمعرفة ما إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية ستقبل الدعوى وتفتح تحقيقًا رسميًا، تبدو الحكومة الإيطالية أمام أزمة غير مسبوقة تجمع بين القانوني والسياسي والأخلاقي.
ومهما تكن نتائج التحقيق، فإن الاتهام وحده كفيل بإعادة خلط الأوراق في الساحة الأوروبية، وطرح سؤال جوهري على قادة الغرب: إلى أي حد يمكن للدعم السياسي والعسكري لإسرائيل أن يظلّ بمنأى عن المحاسبة القانونية الدولية؟