بعد عامين من حرب الإبادة الشرسة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فجر التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2025، التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين (إسرائيل) وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في ختام مفاوضات شاقة احتضنتها مدينة شرم الشيخ بمشاركة وسطاء من قطر ومصر وتركيا.
لكنّ ما جرى لم يكن نهاية حرب فحسب، بل كان — وفق تعبير قادة المقاومة — ثمرة صمودٍ أسطوريٍّ لشعبٍ لم يُهزم، وبداية مرحلة جديدة من الصراع على شروط الحياة والحرية والعدالة.
اتفاق وُلد من تحت النار
وأعلنت حركة حماس، في بيان رسمي، أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه يقضي بإنهاء الحرب على غزة، وانسحاب الاحتلال من القطاع، وفتح المعابر أمام المساعدات، والشروع في تبادل الأسرى بين الجانبين.
وأكدت الحركة أن المفاوضات التي خاضتها كانت "مسؤولة وجادّة"، هدفها الأسمى "وقف آلة الحرب والإبادة التي حوّلت غزة إلى جحيمٍ مفتوح على العالم"، مشددةً على أن هذا الاتفاق "لم يكن منّةً من أحد، بل انتزعه شعبنا بصموده وثباته وتضحياته"، وأن "شرعيته الحقيقية تنبع من الدماء التي أعطته عمقه الأخلاقي والوطني".
وفي لهجة واثقة، قالت الحركة إن المقاومة "لم ولن تتنازل عن حقوق شعبها"، وإن سلاحها سيبقى "حارسًا لهذه الحقوق، وأمانةً في طريق التحرير".
من معركة البقاء إلى معركة العدالة
ولم تتوقف لغة البيان عند حدود وقف الحرب، بل فتحت الباب أمام ما وصفته الحركة بـ"معركة العدالة"، مؤكدةً أن "مرحلة ما بعد وقف الحرب ستكون ميدانًا جديدًا لمحاسبة مجرمي الحرب وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو وشركاؤه في القتل والتدمير"، مشيرةً إلى أن محاكمات دولية قادمة ستُكتب صفحاتها بـ"دماء الأطفال والنساء والمدنيين الذين قضوا تحت القصف".
وأكدت أن هذه المرحلة "لن تكون مرحلة إعادة الإعمار فقط، بل إعادة الاعتبار لحق الفلسطينيين في الحياة والحرية والسيادة".
المقاومة: وحدة الميدان والقرار
البيان أشار بوضوح إلى أن الانتصار السياسي والدبلوماسي لم يكن ليتحقق لولا وحدة الميدان والقرار السياسي بين فصائل المقاومة، التي خاضت المفاوضات بوفد موحد، معزَّز بتأييد شعبي واسع.
وقالت الحركة إن هذه الوحدة "جعلت العدو يعترف بأن معركة غزة لم تعد معركة فصيل، بل معركة شعبٍ موحّدٍ يقاتل من أجل كرامته وحقه في الحياة".
ترامب: “حدث تاريخي” ونتنياهو في مأزق
في المقابل، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاق بأنه "حدث تاريخي"، شكر خلاله الوسطاء من قطر ومصر وتركيا، مؤكدًا أن (إسرائيل) ستسحب قواتها إلى "خط متفق عليه" وأن الأسرى سيُفرج عنهم قريبًا.
غير أن تصريحات ترامب قوبلت بفتور داخل (إسرائيل)، حيث قالت مراسلة قناة "كان" العبرية: "اليوم تنتهي الحرب باتفاق، كان الجميع عندنا ينتظر صورة استسلام حماس، لكن الصورة التي رأيناها لا تشبه ذلك إطلاقًا."
هذه العبارة وحدها اختزلت حجم التحول في المشهد: فبدل الاستسلام، خرجت غزة من الحرب مرفوعة الرأس، مكللة بصمودها لا بانكسارها.
خارطة تنفيذ الاتفاق
ووفق مصادر مطلعة، تبدأ مراحل تنفيذ الاتفاق اعتبارًا من الخميس 9 أكتوبر بإعلان رسمي من الأطراف، تليه مصادقة حكومة الاحتلال في الرابعة عصرًا، ثم نشر قوائم الأسرى وخريطة الانسحاب.
وابتداء من مساء الخميس، تبدأ عمليات الانسحاب الميداني من المناطق المأهولة، فيما تجهّز المقاومة قوائم الأسرى الأحياء وجثامين الجنود الإسرائيليين القابلة للتسليم.
أما الأحد، فمن المقرر أن يصل ترامب إلى المنطقة لمتابعة التنفيذ، على أن يُنجز الاثنين التبادل الرسمي بإشراف قطر ومصر وتركيا والولايات المتحدة، ويتضمن:
إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.
تسليم جثامين المقاومين، وبينهم عناصر من وحدات النخبة.
فتح المعابر بالكامل.
دخول ما لا يقل عن 400 شاحنة مساعدات يوميًا، ترتفع لاحقًا إلى 600 شاحنة.
في شوارع قطاع غزة، خرجت الجموع ابتهاجًا بإعلان الاتفاق، لا بوصفه "نهاية حرب" بل "بداية حياة جديدة بعد عامين من الجحيم".
الوجوه المثخنة بالتعب والدموع فيما هتف آخرون احتفاء بوقف حرب الإبادة، ولم يكن الفرح ملوّنًا بالنصر وحده، بل ممزوجًا بوجع الفقد والدمار، وبعزيمة لا تلين لمواصلة الطريق نحو الحرية والاستقلال.