منذ السابع من أكتوبر2023، لم تكن الحرب على غزة عسكرية فحسب، بل حربًا شاملة على الوعي والرواية. حاول الاحتلال ( الإسرائيلي ) منذ اللحظة الأولى فرض سرديته على العالم، متسلحًا بآلة إعلامية ضخمة مدعومة من منصات غربية كبرى، لتبرير جرائمه ووصم المقاومة بالإرهاب.
لكن ما لم يدركه الاحتلال أن هناك إعلامًا فلسطينيًا يقف بالمرصاد، يُوثّق بالدم والعدسة، ويُعيد رسم الحقيقة من قلب الركام.
منذ اليوم الأول لهجوم "طوفان الأقصى"، سارع المتحدث باسم جيش الاحتلال ووسائل الإعلام العبرية إلى رواية نسجت فيها الأكاذيب حول ما جرى في المستوطنات المحيطة بغزة، مروجةً لادعاءات "الذبح والاغتصاب"، التي سرعان ما تهاوت أمام التحقيقات والتقارير الدولية المستقلة.
ورغم التعتيم المقصود، كشفت تقارير الأمم المتحدة وصحف غربية لاحقًا أن معظم ما روّجه الاحتلال كان بلا أدلة موثقة، هدفه تحشيد الرأي العام الدولي خلف استمرار الحرب.
في المقابل، كانت عدسات الإعلام المقاوم تنقل المشهد الحقيقي للحرب: جثث الأطفال تحت الأنقاض، المستشفيات المدمّرة، واستهداف قوافل الإغاثة والنازحين. لقد تحولت الكاميرا إلى سلاحٍ في معركة الحقيقة، وارتقى عشرات الشهداء من الصحفيين الذين قرروا أن يكونوا في الميدان رغم الخطر.
يقول المحلل السياسي الكاتب محمد ابو قمر في حديثٍ لـ“الرسالة نت”:
“إسرائيل أرادت أن تنتصر في الميدان الإعلامي بعد فشلها في الميدان العسكري، فشنّت حربًا على الصورة، وحاولت شيطنة المقاومة الفلسطينية لتبرير الإبادة، لكن الإعلام المقاوم قلب المعادلة، وأجبر العالم على رؤية ما كان الاحتلال يريد إخفاءه”.
ويضيف ابو قمر أن الإعلام المقاوم، رغم إمكانياته المحدودة، استطاع أن يهزم الرواية الإسرائيلية في أهم ميادين التأثير: الرأي العام العالمي. فقد امتلأت شوارع العواصم الغربية بالمظاهرات المؤيدة لفلسطين بعدما فشلت الدعاية (الإسرائيلية ) في إقناع الجماهير الغربية بأن ما يجري هو “دفاع عن النفس”.
وأشار إلى أن الرواية الفلسطينية لم تأتِ فقط من الصور المروّعة، بل من صدق الميدان. “حين يرى العالم مراسلًا يبكي وهو يروي قصة مجزرة في مخيم الشاطئ، أو صحفيًا يودّع زميله الذي استشهد للتو، فذلك كفيل بأن ينسف كل الأكاذيب المصقولة في استوديوهات الاحتلال”، يوضح عودة.
لم تكن مواجهة الرواية (الإسرائيلية ) سهلة. فمعظم المنصات الفلسطينية والمستقلة تعرضت للحظر على "فيسبوك" و"إنستغرام" و"يوتيوب"، وتم تقييد المحتوى المناصر لغزة، بينما ظلت المنصات العبرية تبث دعايتها بحرية تامة. ومع ذلك، خلقت المقاومة الإعلامية الفلسطينية بدائل ذكية عبر تيليغرام والمنصات البديلة، لتصل بالصوت والصورة إلى كل بيت في العالم.
أما على الأرض، فقد دفع الصحفيون ثمنًا باهظًا. أكثر من 258 صحفيًا فلسطينيًا استُشهدوا منذ السابع من أكتوبر، في واحدة من أعنف الحملات ضد الصحافة في التاريخ الحديث. استُهدفوا عمدًا لأنهم نقلوا ما لا يريد الاحتلال أن يُرى. ومع كل شهيد، كانت الحقيقة تتجدد، والرواية الفلسطينية تزداد صدقًا وعمقًا.
في نهاية المطاف، فشل الاحتلال في معركة الوعي كما فشل في الميدان. كل صاروخ سقط على حي سكني كان يُسقط جزءًا من كذبته، وكل صورة لطفل شهيد كانت تهزّ ضمير العالم.
أما الصحفيون الفلسطينيون، فظلوا خط الدفاع الأول عن الحقيقة، يقفون بلا خوذٍ كافية ولا دعمٍ دولي، لكنهم يملكون ما هو أثمن: الإيمان بعدالة القضية، تحويل الألم إلى رواية صادقة لا تُشترى ولا تُزيف.