تكشف قراءة تحليلة للكاتبة الإسرائيلية بنينا شرفيت أن "إسرائيل" تقف اليوم على مفترق طرق خطير: فبينما تتباهى بتفوقها العسكري، تخسر معركة الشرعية أمام العالم، وتواجه عزلة تزداد اتساعًا نتيجة سياسات حكومية قصيرة النظر ومتطرفة.
ولعل أخطر ما في المقال المنشور في القناة العبرية N12، هو أنه يصدر من داخل المؤسسة الإعلامية العبرية نفسها، ويعبّر عن صوت نقد داخلي نادر يحذر من أن "إسرائيل"، كما تقول الكاتبة، "لم تعد تُعاقَب على معاداة السامية، بل على سلوكها الذي جعلها عنوانًا جديدًا للعزلة والرفض العالمي".
وتكتب بنينا شرفيت أن "إسرائيل"، بعد مرور عامين على هجوم 7 أكتوبر 2023، تجد نفسها في وضع متناقض تمامًا: فبينما تزداد هيمنتها العسكرية وضوحًا، تتراجع مكانتها السياسية بشكل غير مسبوق، لتواجه عزلة دولية خانقة.
تقول الكاتبة إن "إسرائيل" خاضت حملة عسكرية "مبرّرة إلى أقصى حد" في أعقاب الهجوم، وحققت إنجازات بارزة في ميادين القتال، لكنها في المقابل خسرت معركتها على الساحة السياسية.
"فالدعم الدولي الواسع الذي حظيت به في الأيام الأولى للحرب، تلاشى تدريجيًا حتى وصلت إلى أدنى مستويات القبول في المجتمع الدولي منذ تأسيسها."
من المسؤول عن السقوط السياسي؟
تؤكد شرفيت أن تحميل القوى المعادية لـ"إسرائيل" ومعاداة السامية المسؤولية عن هذا التدهور هو تبسيط ساذج ومضلل، إذ أن الظاهرة – وإن كانت موجودة – ليست العامل الحاسم. وتضيف أن تجاهل المسؤولية الذاتية الإسرائيلية يشكّل خطأً فادحًا لا يمكن تبريره في أي معركة، سواء كانت عسكرية أو دبلوماسية.
وترى أن المسؤولية المباشرة تقع على عاتق حكومة "إسرائيل" نفسها، التي لم تكترث لتفسير جرائمها في غزة أمام العالم، ولم تسعَ لتبرير أفعالها في إطار القانون الدولي، بل على العكس، ساهمت تصريحات مسؤولين كبار – بمن فيهم وزراء – في تأكيد نيات انتقامية ومعادية للمدنيين الفلسطينيين.
الصورة التي دمّرت صورة "إسرائيل"
تشرح الكاتبة أن "إسرائيل"، بدلاً من الدفاع عن مواقفها، قدّمت بنفسها الأدلة التي تُدينها أمام العالم. فحين يتحدث وزير أو مسؤول عن "تسوية غزة بالأرض" أو عن "طرد سكانها"، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام الدولي ليست عسكرية أو أمنية، بل إجرامية وعدوانية.
وتقارن شرفيت ذلك بمثال قانوني قاسٍ: "كأن متهماً بجريمة قتل، بدلاً من إنكار نيته، يعلن جهارًا أنه أراد القتل".
وتضيف أن مثل هذه المواقف جعلت حتى الجهات المتعاطفة مع "إسرائيل" تجد صعوبة في الدفاع عنها، لتتحول من "ضحية الإرهاب" إلى رمز للبطش والإفلات من العقاب.
حكومة العزلة
وتلفت الكاتبة إلى أن العزلة المتزايدة ليست مجرد نتيجة غير مقصودة، بل هي ثمرة سياسة متعمّدة من قبل وزراء نافذين داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية، مثل وزير المالية ووزير الأمن القومي، اللذين يريان في الارتباط بالعالم الغربي "قيدًا" على رؤيتهما المتشددة، ويعتبران قطع هذا الارتباط تحريرًا لـ"إسرائيل" من القيود الدولية.
وترى شرفيت أن هذه الرؤية جعلت العزلة هدفًا في حد ذاتها، وأن تصريحات وأفعال الوزراء باتت ذخيرة دعائية مجانية في أيدي خصوم "إسرائيل"، بل ومكسبًا سياسيًا لحركة "حماس" وإيران اللتين تستفيدان من انكشاف الوجه الحقيقي للحكومة الإسرائيلية.
نتنياهو... من براجماتي إلى متواطئ
وتعبّر الكاتبة عن دهشتها من انجرار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وراء هذا المسار، قائلة: "يصعب الفهم، فنتنياهو السابق كان سيتصرّف بطريقة مختلفة."
وتشير إلى أن نتنياهو، الذي كان يُعرف بقدرته على موازنة القوة العسكرية مع الكفاءة الدبلوماسية، أصبح اليوم أسير التحالفات الداخلية والابتزاز السياسي من شركائه في اليمين المتطرف، وهو ما أفقده القدرة على المناورة السياسية التي اشتهر بها لعقود.
الهزيمة الحقيقية
تختتم شرفيت مقالها بتحذير صريح من أن المعركة الحاسمة التي ستحدّد مصير "إسرائيل" ليست عسكرية، بل سياسية، وهي معركة تخسرها الحكومة يومًا بعد يوم.
وتشير إلى أن حتى نتنياهو نفسه اعترف بذلك في خطابه الأخير المسمّى "خطاب إسبرطة"، الذي أقرّ فيه ضمنيًا بأن "إسرائيل" تفقد مكانتها الدولية بسرعة مقلقة.
وترى أن حكومة "إسرائيل" الحالية تسهم عمليًا في خدمة أهداف خصومها من خلال تعميق عزلتها، وتشويه صورتها، وإضعاف قدرتها على كسب التعاطف الدولي أو حتى الحفاظ على تحالفاتها التقليدية.
وتختم بقولها إن "ثمن هذه الهزيمة السياسية سيدفعه الجميع، داخل إسرائيل وخارجها".