قائمة الموقع

كيف تركت حرب غزة جيش “إسرائيل” ومجتمعها في أزمة هوية وانهيار أخلاقي

2025-10-11T10:02:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

يكتب الصحافي عاموس هرئيل في صحيفة "هآرتس" أن الحرب التي استمرت عامين ويومين تبدو الآن في مراحلها الأخيرة، بعد أن نجحت الوساطة الأميركية بقيادة المبعوث ستيف ويتكوف في إتمام الاتفاق النهائي في شرم الشيخ، رغم التحفظات العديدة من الأطراف المعنية.
ويؤكد هرئيل أن المبعوث الأميركي جاء إلى مصر بمهمة واحدة واضحة: إغلاق الملف، تنفيذًا لتعليمات الرئيس دونالد ترامب الذي يسعى إلى تسجيل “انتصار دبلوماسي” يرفع حظوظه في نيل جائزة نوبل للسلام.
لقد مارست واشنطن ضغوطًا هائلة على الجميع — على “إسرائيل”، وعلى “حماس”، وكذلك على الوسطاء في قطر ومصر، ومع دخول تركيا على خط التفاوض، بدا أن نهاية الحرب باتت حتمية.
ويضيف هرئيل أن الضربة الفاشلة في الدوحة التي نفذتها “إسرائيل” في التاسع من أيلول/سبتمبر لمحاولة اغتيال وفد “حماس” المفاوض، كانت اللحظة التي سرّعت الاتفاق، إذ أغضبت الرئيس الأميركي وأثارت حفيظة القطريين، الذين استخدموا نفوذهم لإقناع ترامب بفرض إنهاء الحرب على رئيس حكومة “إسرائيل” بنيامين نتنياهو.

“إنهاء الحرب”... ولكن من دون انتصار

يُبرز هرئيل الفجوة بين الخطاب المنتصر الذي يحاول نتنياهو تسويقه لجمهوره، وبين الواقع الميداني والسياسي الذي لا يحمل أي ملامح نصر حقيقي.
فبحسبه، سيحاول نتنياهو الادعاء أن “حماس” ستعيد جميع الأسرى دون انسحاب جيش “إسرائيل” من القطاع بالكامل، وأن ترامب سيزور الكنيست ليلقي خطابًا يحتفل فيه بـ"الإنجاز التاريخي".
لكن الحقيقة، كما يقول هرئيل، أن النتائج بعيدة عن وعود الإبادة ونزع السلاح.
لقد تعرّضت “حماس” لضربة عسكرية، لكنها لم تُهزم نهائيًا، ولم تُقتل قياداتها البارزة، ولا تزال قادرة على الاحتفاظ بجزء من سلاحها.
ويشير الكاتب إلى أن الاتفاق لم يحسم مستقبل السيطرة على غزة، وأن “الغموض البنّاء” أصبح العبارة المفتاح التي يختبئ خلفها نتنياهو أمام جمهوره، مروجًا لفكرة أن الجيش سيحتفظ بـ53% من القطاع، رهنًا بسلوك “حماس” لاحقًا.

“الغموض البنّاء” والخرائط الجديدة

يرى هرئيل أن الخرائط الأميركية الجديدة التي رُسمت بعد المفاوضات الأخيرة، تنصّ على انسحاب “إسرائيل” إلى ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”، مع إبقاء مناطق عازلة تحت سيطرتها المباشرة أو بنيرانها عن بُعد.
غير أن الوسطاء، بحسب الكاتب، سيضغطون نحو انسحاب إضافي لاحقًا، ما يعني أن هذا “الغموض” ليس إلا مرحلة مؤقتة قبل انسحاب أوسع.
وفي المقابل، يلمّح هرئيل إلى تشابك الساحات الإقليمية، خصوصًا في لبنان، حيث يواصل جيش “إسرائيل” شن هجمات شبه يومية جنوب الليطاني، بينما يمتنع “حزب الله” عن الرد المباشر — في توازن هشّ قد يُختبر قريبًا في غزة نفسها، إذا ما شاركت قوات من الإمارات أو تركيا أو إندونيسيا في “فرض النظام الجديد”.
ويكتب هرئيل أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الفلسطينيين، عبر هذه الحرب، نجحوا في تدويل الصراع أكثر من أي وقت مضى، وهو عكس تمامًا ما أراد نتنياهو تحقيقه.

“الصفقة” ومساهمة زامير

ويخصّ الكاتب رئيس الأركان إيال زامير بفقرة إشادة نادرة في الصحافة العبرية، معتبرًا أنه لعب دورًا حاسمًا في منع الكارثة البرية بعد فشل الهجوم على قطر.
فبينما ضغط نتنياهو من أجل اجتياح شامل لغزة، تعمّد زامير إبطاء وتيرة التقدم البري، حفاظًا على حياة الجنود والأسرى.
ويقول هرئيل إن هذا القرار أنقذ عشرات الأرواح، وربما منع انهيار الاتفاق بالكامل، مشيرًا إلى أن زامير يدفع باتجاه إنهاء الحرب وإعادة بناء الجيش الذي استنزف قدراته خلال العامين الماضيين.
ويضيف الكاتب أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية بأكملها تؤيد الاتفاق، وأنها ترى في إنهاء الحرب خطوة ضرورية لاستعادة التوازن الداخلي.

انقسام اليمين وانهيار الوهم

ويتحدث هرئيل عن تصدّع متوقع داخل معسكر اليمين بعد انتهاء الحرب.
فأحزاب مثل "الصهيونية الدينية" و"عوتسما يهوديت" عبّرت عن معارضتها للاتفاق، لكنها غير مستعدة بعد للانسحاب من الحكومة، رغم فقدان الثقة المتبادل مع نتنياهو.
ويرى الكاتب أن اليمين يعيش حالة انهيار للوهم السياسي، إذ تبخّرت أحلام “إعادة بناء المستوطنات” و“ترحيل الفلسطينيين”، مع تحوّل ترامب نحو إعادة طرح فكرة “حل الدولتين” في الخطاب الأميركي.
ويقول هرئيل إن نتنياهو، رغم رغبته في البقاء في الحكم، بات يواجه خطر السقوط، فالحرب أنهكته سياسيًا واقتصاديًا، ومع انتهاء المعارك، سيعود الضغط الشعبي للمطالبة بتحقيق رسمي في كارثة 7 أكتوبر، وهو تحقيق حاول نتنياهو منعه بكل وسيلة ممكنة.

“الطوفان” الذي عرّى “إسرائيل”

ويعود الكاتب إلى لحظة الانفجار الكبرى، حين قررت “حماس” تنفيذ عملية طوفان الأقصى فجر السابع من أكتوبر 2023، بعد سنوات من الإعداد، مستفيدة من انقسام الداخل الإسرائيلي وتآكل جاهزية الجيش.
يقول هرئيل إن العملية، في نظر القيادة الفلسطينية، كانت تهدف إلى إعادة القضية إلى الساحة الدولية، ومنع التطبيع بين “إسرائيل” والسعودية، والرد على الانتهاكات في المسجد الأقصى.
لكن النتيجة كانت مروعة: “نكبة ثانية، شملت تدميرًا شبه كامل لقطاع غزة، ومقتل أكثر من 65 ألف مدني، وتورط ’إسرائيل‘ في جرائم حرب أفقدتها مكانتها الدولية.”

ويضيف هرئيل أن الجيش الإسرائيلي فقد بوصلته الأخلاقية، إذ تحوّل في غزة إلى آلة انتقام عمياء، وأن المجتمع الإسرائيلي لم يبدأ بعد بفهم حجم التحلل القيمي الذي أصابه جراء هذه الحرب الطويلة.

حرب بلا نصر وجيش بلا روح

ويختتم عاموس هرئيل مقاله بالقول إن الحرب قد تضع أوزارها قريبًا، لكن ظلالها الثقيلة ستبقى لعقود.
فـ“إسرائيل”، كما يكتب، خرجت من المعركة وهي تجرّ أزماتها الأخلاقية والسياسية، وتواجه انقسامًا داخليًا عميقًا، وفقدانًا للثقة بين الجيش والقيادة، وتراجعًا حادًا في مكانتها الدولية.
ويحذر هرئيل من أن استمرار إنكار المسؤولية سيعيد إنتاج الكارثة من جديد، ويؤكد أن ما جرى في غزة لم يكن فقط هزيمة عسكرية مؤقتة، بل صدمة وجودية قد تغيّر وجه المجتمع الإسرائيلي إلى الأبد.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00