قائمة الموقع

الشهيد الجماصي.. نور في العلم.. في الموقف.. وفي الخاتمة

2025-10-12T07:53:00+03:00
خاص_ الرسالة نت

في الثامن من أكتوبر عام 2023، لم يكن أحد يتوقع أن القرار الذي اتخذه الشاب الفلسطيني نور محمد داود الجماصي سيخلّد اسمه في الذاكرة الفلسطينية طويلاً. فذلك اليوم لم يكن مجرّد محطة عابرة في حياة شاب نابغ، بل كان تحوّلاً جذرياً من دروب العلم إلى طريق الشهادة.

 

وُلد نور في مدينة غزة، وبرز منذ صغره بذكائه المتّقد وفضوله الذي لا يهدأ. كان مختلفاً عن أقرانه؛ هادئاً، متأملاً، يرى في كل فكرة مشروعاً للتغيير. ومع تقدمه في الدراسة، أخذت بوادر النبوغ تتجلى واضحة، حتى باتت المدارس تتنافس على استضافته في أنشطتها العلمية والبحثية.

 

حين أنهى الثانوية العامة بتفوّق لافت، فتحت له الدنيا أبوابها على مصراعيها. حصل على أربع منح دراسية من جامعات غربية مرموقة، واختار أخيراً جامعة بودابست للتكنولوجيا والاقتصاد في هنغاريا، حيث تخصص في هندسة التكنولوجيا الرقمية. 

 

وفي عامه الأول هناك، نال أعلى الدرجات بين زملائه، وحظي بإشادة أساتذته الذين رأوا فيه "عقلاً فلسطينياً قادراً على صنع فارق عالمي".

 

لكن وراء هذا النجاح الأكاديمي، كان يسكن نور قلبٌ لا يهدأ على وطنه. كان يتابع أخبار غزة لحظة بلحظة، يسهر على شاشات هاتفه الصغيرة وهو في أوروبا البعيدة، يسمع أصوات الانفجارات ويرى صور الركام، فيقول لأصدقائه: "كيف أعيش رفاهية الكهرباء والماء وهم هناك في العتمة؟".

 

في صباح الثامن من أكتوبر 2023، وبينما كانت الطائرات الحربية تمطر غزة بالنار، حزم نور حقيبته القليلة، وغادر هنغاريا متجهاً إلى القاهرة، ثم إلى معبر رفح. لم يخبر أحداً بقراره سوى والدته التي حاولت ثنيه عن الرحيل، لكنه اكتفى بالقول:

 "يا أمي، لا أستطيع أن أتركهم وحدهم، الوطن يناديني."

 

عندما وصل إلى غزة، كان والده في استقباله. نظر إليه أول الأمر بعَتبٍ مكتوم، فقد كان يدرك حجم الخطر، لكنه لم يستطع أن يخفي فخره العميق.

 

يقول خاله الدكتور رامي عبده:" قال لي والده قبل أن يرحل: "كنت أخاف عليه، لكن حين رأيته يرتدي بزّته ويحمل سلاحه، شعرت أنني أنجبته مرتين؛ مرة للحياة ومرة للوطن."

 

على مدى عامين كاملين، ظل نور في الميدان، مقاتلاً ومهندساً ومعلماً. كان يشارك في تطوير معدات ميدانية بسيطة تساعد رفاقه في الصمود، وكان يدرّب الشبان على استخدام التكنولوجيا في حماية الاتصالات ومتابعة التحركات. لم يتراجع يوماً، ولم يطلب إجازة أو راحة؛ حتى حينما سمع بخبر استشاد والديه وأخوته في استهداف منزل العائلة قبل أشهر.

 

وفي الثامن من أكتوبر 2025، بعد عامين من المقاومة والثبات، ارتقى نور شهيداً في إحدى المعارك جنوب قطاع غزة، تاركاً خلفه سيرة تختصر معنى العطاء.

 

رحل نور، لكنه ترك خلفه معنى اسمه: نور في العلم، ونور في الموقف، ونور في الخاتمة.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00