يقدّم الكاتب اللبناني يقظان التقي قراءة معمّقة في التحول السياسي الذي تشهده حركة حماس بعد عامين من الحرب الإسرائيلية على غزة، متناولًا أبعاد الاتفاق الجديد لوقف الحرب، وموقع حماس في المعادلة الإقليمية والدولية، ضمن مشهد عالمي غير مسبوق من التضامن الشعبي والسياسي مع القضية الفلسطينية.
يبدأ التقي مقاله المنشور على موقع العربي الجديد بوصف غير مسبوق لحجم الحضور الفلسطيني على الساحة الدولية، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية لم تكن يومًا بهذه المركزية في الوعي السياسي العالمي.
فالمشهد لم يقتصر على الشرق الأوسط، بل امتد إلى شوارع أوروبا وأميركا حيث خرجت تظاهرات ضخمة، واحتجاجات شعبية عارمة دعماً لغزة، تحولت إلى ما يشبه “الربيع الغربي” — أي يقظة عالمية ضد الإبادة في غزة.
ويرى الكاتب أن هذه التحركات الواسعة لم تكن احتجاجات اقتصادية أو سياسية محلية، بل حالة تاريخية فريدة توحّد شعوب العالم حول قضية إنسانية واحدة.
ويشير إلى أن اليسار العالمي وضع القضية الفلسطينية في صميم حملاته السياسية، من فرنسا إلى ألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا، بل وحتى سويسرا وهولندا، لتصبح غزة رمزاً للمقاومة في الضمير العالمي.
سلام "أبدي" أم هدنة مؤقتة؟
ويستعرض التقي المرحلة الجديدة التي دشّنها اتفاق وقف الحرب ضمن ما سماه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"السلام الأبدي"، وهي المرحلة الأولى من خطته ذات العشرين بندًا.
ويشير الكاتب إلى أن صمود الفلسطينيين هو ما أجبر العالم على التحرك، وجعل ترامب يعلن أن الحرب انتهت.
غير أن هذا “السلام الأبدي” — كما يراه التقي — لا يزال هشًّا، إذ لم تُحسم ملفات نزع السلاح، وانسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل، ونشر القوة الدولية في غزة.
ويضيف أن نتنياهو يمرّ بمرحلة حرجة رغم “الهدنة المؤقتة”، إذ يمنحه الاتفاق استراحة سياسية قصيرة بعد عزلته الدولية الطويلة، بينما تواجه حكومته رفضًا من اليمين المتطرف الذي لا يستطيع الانسحاب من الائتلاف حالياً.
حماس وتحوّل الأولويات السياسية
ويرى التقي أن حماس لم تعد قادرة على الاستمرار في “طقوس الحرب المبالغ فيها”، لكنها في الوقت نفسه لم تتنازل عن ثوابتها.
فهي – وفق مقاله – أعادت تعريف مسؤولياتها السياسية، عبر القبول التكتيكي بخطة ترامب وخطوطها الأولى، بهدف فتح باب التفاوض وغلق أبواب الابتزاز السياسي.
ويستشهد التقي بتصريحات قياديين في الحركة، بينهم خليل الحية وموسى أبو مرزوق، اللذين أكدا أن “الهيئة الفلسطينية المستقلة” لإدارة القطاع لا تعني خروج حماس من المشهد، بل إدارة توافقية تمهّد لانتخابات وطنية شاملة.
ويصف الكاتب هذا التحول بأنه نضج سياسي غير مسبوق لدى الحركة، يمكّنها من الانتقال من موقع المقاومة إلى موقع القيادة السياسية المسؤولة، بما يتلاءم مع تطلعات المجتمع الدولي من دون المساس بالثوابت الوطنية.
قراءة في الموقف الأميركي الجديد
وفي تحليل دقيق، يربط التقي بين التحول في موقف واشنطن وبين حسابات استراتيجية أوسع، موضحاً أن إدارة ترامب أدركت أن استمرار الكارثة في غزة يضرّ بالمصالح الأميركية نفسها، ويضعف نفوذها بين حلفائها العرب والأوروبيين.
ويشير إلى أن التحول في خطاب ترامب من لغة القوة إلى لغة التسوية يمثل حدثًا مهمًا في السياسة الشرق أوسطية، حتى لو لم يكن الرئيس الأميركي مؤيدًا فعليًا لحل الدولتين.
فخطة ترامب – كما يقول – لا تهدف إلى إنهاء الصراع، بل إلى إعادة تعريفه وفق موازين القوى الجديدة التي فرضها صمود الفلسطينيين.
غزة… من الركام إلى صناعة المستقبل
ويختتم يقظان التقي مقاله بلوحة إنسانية وسياسية مؤثرة، قائلاً إن الفلسطيني الذي ينتشل الجثث من تحت الركام أو يسكن خيمة وسط الدمار، بات اليوم يفرض معايير جديدة للخروج من كابوس الردع الإسرائيلي.
فالمقاومة – بحسبه – لم تُهزم، بل أعادت صياغة المشهد، وأثبتت أن القوة لا تكمن فقط في السلاح، بل في القدرة على إعادة تعريف السياسة ذاتها.
ويكتب التقي بعبارة رمزية بالغة القوة: “الفلسطيني اليوم يصنع سلّمه إلى السماء من تحت الأنقاض، ويفرض على العالم أن يراه.”
ويؤكد أن الوقت قد حان لصناعة وحدة وطنية فلسطينية حقيقية، لأنها “الأصل في النضال من أجل تحريك قيام الدولة الفلسطينية التي حاولت إسرائيل أن تطفئ أنوارها وتحوّلها إلى ركام.”
ويُبرز مقال يقظان التقي ثلاث رسائل مركزية:
1. التحول العالمي في الوعي الإنساني تجاه القضية الفلسطينية بعد عامين من الإبادة.
2. إعادة تموضع حماس سياسياً كقوة وطنية تتعامل بعقل الدولة دون التفريط بالثوابت.
3. التحول في الموقف الأميركي الذي بات يرى في استمرار الحرب خطرًا على مصالحه.
إنها – كما يخلص الكاتب – لحظة تاريخية مفصلية تتقاطع فيها المأساة مع الوعي، والمقاومة مع السياسة، في مسار واحد نحو استعادة فلسطين لموقعها في الضمير الإنساني والخرائط السياسية على السواء.