أيهم كممجي، البالغ من العمر 36 عامًا، من قرية كفر دان غرب مدينة جنين، قضى نصف عمره بين سجون الاحتلال الإسرائيلي. منذ حداثة سنه، كان أيهم فتى غاضبًا، شاهد بعينيه الاحتلال وهو يقتحم مدينته، يهدم البيوت، ويترك خلفه الدمار والشهداء. ترعرع على فكرة أن الحرية ليست رفاهية، بل حق يُنتزع، وأن الظلم لا يُقاوَم إلا بالإصرار والشجاعة.
مع مرور السنوات، كبر أيهم وأصبح ذا بأس شديد، وقاد أولى صولاته في مواجهة الاحتلال بمحاولة تنفيذ عملية فدائية عبر سيارة مفخخة، لكنها لم تنجح بسبب عطب أصاب السيارة، فظل مطارداً من الاحتلال الذي حاول اعتقاله أو اغتياله مرات عدة.
عام 2003، بدأت أجهزة الاحتلال بملاحقته بشكل متواصل، واعتقلته الأجهزة الفلسطينية ، دون أن توقف الاحتلال عن ملاحقته أو تحميه، ليقضي سنة ونصف في سجن أريحا قبل أن يفر منه بطريقة بطولية ويعود إلى عرينه في جنين لمواصلة نضاله.
خلال سنواته الطويلة في الأسر، لم يكن أيهم مجرد أسير صامت. بل كان قائدًا داخل غرفه، مسؤولًا عن قسمه، يهتم بحقوق زملائه الأسرى، يتفاوض مع السجان، ويحرص على رفع معنوياتهم، ويكتب الأشعار التي تلهمهم، ويخطط للهروب من كل زنزانة تكبله. وقد نال خلال فترة سجنه شهادتي بكالوريوس وماجستير، واستعد لاستكمال الدراسات العليا، لتثبت شخصيته المثابرة والمصممة على التعلم والتحدي رغم كل القيود.
على مدار سنوات طويلة، واجه الاحتلال في كر وفر، اتهم بإطلاق النار على الحواجز العسكرية، واستهداف جنوده ومستوطنيه، وحتى اختطاف طيار إسرائيلي يُدعى الياهو أوشري وقتله. كل هذه الأعمال جعلت الاحتلال يحاول اغتياله عدة مرات، لكنه كان ينجو دائمًا، متفوقًا على كل محاولاته.
عام 2014، حاول الهروب من سجن جلبوع، لكنه اكتشفه السجان فعوقب بالعزل والحرمان من أبسط الحقوق، إلا أنه لم ييأس، وعاد مع مجموعة من رفاقه ليحقق حلم الحرية فجر يوم الاثنين، حين تمكنوا من الهروب عبر “نفق الحرية”، في عملية وصفت بالمركبة والمعقدة والخطيرة.
وبعد الإفراج عنه وترحيله إلى مصر، قال أيهم:
"كنا سنخرج من تحت الأرض، لكن المقاومة اليوم، ورغماً عن أنف الاحتلال، جعلته يفتح الأبواب ويخرجنا"، مؤكدًا أن الانتصار لم يكن مجرد حظ أو فرصة، بل نتيجة إرادة الشعب والمقاومة التي لا تعرف الانكسار.
حياة أيهم لم تكن سهلة خارج السجن أيضًا. فقد اعتقل الاحتلال شقيقه الأصغر عهد لسنوات، وتوفيت والدته إثر جلطة مفاجئة، مما زاد من صعوبة رحلته، لكنه ظل صامدًا، لا يتراجع عن مبادئه، ويحب الحرية أكثر من أي شيء آخر.
اليوم، أيهم كممجي ليس مجرد أسير محرر، بل أسطورة حية، يمثل الإصرار على الحرية والتحدي، ويجسد معنى الصمود الفلسطيني، ويثبت أن الأسر لا يمكن أن يكسّر روح من أحب الحرية أكثر من حياته. قصته مع صفقة “وفاء الأحرار” لم تكن مجرد تحرير من السجن، بل إعلان صريح أن الإرادة الفلسطينية أقوى من كل القيود، وأن من يصر على الحرية، سيجد طريقه مهما طال الزمن.