حذّر أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان د. محمود الحنفي من خطورة الطروحات الغربية التي تدعو إلى نزع سلاح حركة حماس، مؤكداً أن المقارنة التي قدمها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بين غزة وأيرلندا الشمالية هي "تشبيه خاطئ قانونياً وسياسياً وأخلاقياً"، لأن الصراع في غزة ليس نزاعاً داخلياً، بل حرب تحرر وطني ضد احتلال عسكري مستمر.
وقال الحنفي في مقال تحليلي نشره موقع الجزيرة نت، إن طرح ستارمر استعداد بريطانيا لقيادة عملية نزع سلاح حماس، مستنداً إلى تجربة "الجمعة العظيمة" في بلفاست عام 1998، يُظهر خلطاً جوهرياً بين نزاعٍ محلي داخل دولة ذات سيادة وبين نضال شعبٍ تحت الاحتلال.
بلفاست ليست غزة
ويوضح الحنفي أن اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية كان صفقة داخلية بين مكوّنات مجتمع واحد، اعترفت فيها بريطانيا بالطموحات السياسية للطرفين الكاثوليكي والبروتستانتي، وأقامت حكومة محلية لتقاسم السلطة، مقابل تخلي الجيش الجمهوري الأيرلندي عن السلاح بعد ضمانات ومكاسب سياسية واضحة.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن الاحتلال الإسرائيلي ما زال قائماً، ولا توجد أي ضمانات سياسية أو إشراك حقيقي لحركة حماس في مستقبل غزة، بل إن الدعوات الغربية تأتي بهدف إقصائها بالكامل.
ويقول الكاتب: "في أيرلندا، سلّم المقاتلون سلاحهم مقابل مشاركة في الحكم وحماية سياسية، أما في غزة فيُطلب من المقاومة التخلي عن سلاحها وحكمها دون مقابل، وهذا فرق جوهري يجعل المقارنة مجتزأة وخطيرة."
الاختلاف القانوني
ويُفصّل الحنفي في البعد القانوني، موضحاً أن القانون الدولي يميّز بين النزاعات الداخلية والنزاعات الدولية ضد الاحتلال.
فبينما اعتبرت بريطانيا الجيش الجمهوري الأيرلندي تنظيماً غير قانوني داخلياً، تُعدّ حماس وفق قواعد القانون الدولي الإنساني حركة تحرر وطني، تستند إلى قرارات الأمم المتحدة والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، الذي يعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في الكفاح المسلح لنيل حريتها.
ويضيف أن فلسطين، بصفتها دولة طرفا في البروتوكول منذ عام 1989، تمتلك أساساً قانونياً يجعل مقاومة الاحتلال عملاً مشروعاً، بخلاف (IRA) الذي لم يكن يواجه احتلالاً أجنبياً.
ويتابع: "أي محاولة لفرض نزع السلاح في غزة من دون إنهاء الاحتلال تتعارض مع جوهر القانون الدولي، وتنسف حق تقرير المصير الذي لا يسقط بالحصار أو القوة."
الفارق التقني
ويشرح الحنفي أن البعد الأمني والتقني يزيد الفوارق وضوحاً؛ فبينما كانت أسلحة الجيش الجمهوري الأيرلندي محدودة ويمكن التحقق من التخلص منها بسهولة، تمتلك حماس ترسانة عسكرية متطورة وشبكة أنفاق صناعية تجعل أي عملية نزع سلاح مستحيلة دون تعاون سياسي شامل.
ويضيف أن حركة حماس تمتلك قدرات تصنيع محلية تمكّنها من إعادة بناء سلاحها، ما يجعل أي مراقبة أو تفكيك للترسانة عملاً "عقيماً ما لم يكن جزءاً من تسوية عادلة متفق عليها".
شروط نزع السلاح الحقيقي
ويؤكد الحنفي أن أي عملية نزع سلاح ناجحة يجب أن تُبنى على إطار سياسي شامل يتضمن:
إنهاء الاحتلال والحصار.
ضمانات أمنية متبادلة.
مشاركة المقاومة في إدارة المرحلة الانتقالية.
إشراف دولي متعدد الأطراف بتفويض واضح.
برامج لإعادة دمج المقاتلين ضمن أجهزة أمن وطنية شرعية.
ويحذر من أن فرض نزع السلاح بالقوة سيؤدي إلى فراغ أمني خطير وظهور مجموعات مسلحة بديلة، كما حدث بعد إخراج منظمة التحرير من لبنان عام 1982.
السلاح لا يُنزع قبل استعادة الحق
ويختتم الحنفي مقاله بالتأكيد على أن نزع السلاح لا يمكن أن يسبق الحل السياسي، بل يتبعه.
ويقول إن التجارب التاريخية — من أيرلندا إلى جنوب إفريقيا — تؤكد أن معالجة جذور الصراع شرطٌ لنجاح أي عملية نزع سلاح، لأن "السلاح في غزة ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لحماية شعبٍ تحت العدوان".
ويخلص إلى أن فرض نزع السلاح دون إنهاء الاحتلال سيعمّق الرفض الشعبي، لأن الفلسطينيين يرون في المقاومة صمام أمان ضد الإبادة، وأن إعادة الإعمار أو الوعود الاقتصادية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحرية والسيادة.
"يمكن الاستفادة من تجربة بلفاست في بعض الجوانب كالتدرج والوساطة، لكن غزة ليست بلفاست، ومقاومتها لا تُنزَع إلا حين يتحقق التحرر."