قائمة الموقع

سوار الخرز... هدية الأسير هيثم سالم التي لم تصل!

2025-10-20T11:51:00+03:00
خاص- الرسالة نت

كان الأسير المحرر هيثم سالم يجلس عند حافة الركام، يضم في كفه سوارًا من خرزٍ باهت اللون.
تتدلّى الخرزات على خيطٍ هشّ كأنها حبات ذكرى تتشبث بالحياة. قال بصوتٍ خافتٍ مبحوح: "صنعتُها لها من الخبز الجاف، كنت أكسره بعناية وأثقبه بإبرة خبأتها في بطانة بنطالي، وأصقل الحواف بقطعة خشبٍ اقتلعتها من باب الزنزانة. كنت أحلم بوجهها وهي ترتديها يوم عيد ميلادها الرابع."

في الزنزانة، كان الزمن ثقيلًا كالجدار، لكنه كان يخفّ حين يتخيل ضحكتها. يرسم على الحائط خصلات شعرها، ويحصي الأيام ليخرج قبل ميلادها بأربعة أيام فقط. كان يريد أن يضع السوار في يدها الصغيرة، ويقول لها: "بابا عاد يا مريم."

لكن حين خرج من السجن، لم يجد شيئًا يشبه حلمه.
المدينة التي كان يعرفها صارت ركامًا، والوجوه التي يعرفها غابت.
سأل الناس عن بيته، عن زوجته، عن أولاده. كانوا يصمتون. حتى اقترب منه أحد رفاقه وقال بصوتٍ مكسور: "هيثم… لا تبحث كثيرًا. بيتك قُصف قبل شهر. زوجتك وأطفالك الثلاثة… كلهم صعدوا إلى السماء."

تجمّد في مكانه، وكأن الهواء انقطع عن العالم.
"كلهم؟" همس، فلم يرد أحد.
جلس على الأرض، والخرز يتناثر من بين أصابعه. كان يشعر أن قلبه أصبح زنزانة أخرى، أضيق من الأولى.

في الليل، راح يتجوّل بين الأنقاض. يرى ظلّ زوجته في الممرّ، وصوت ضحكةٍ صغيرة تفرّ بين الحجارة. يمدّ يده، فلا يجد سوى الهواء.
لم يبكِ، فقد جفّ الدمع منذ زمن. لكنه ظلّ يهمس:
"كنت أعدّ الأيام لأهديها السوار… لم أعرف أن الأيام كانت تعدّهم للغياب."

صار يحمل السوار معه أينما ذهب. أحيانًا يعلّقه على معصمه، وأحيانًا يضعه تحت وسادته كأنها أمانة من زمنٍ لم يعد له.

ثم جلس طويلًا، يمرّر أصابعه على الخرزات الباهتة، كمن يودّع العالم خرزةً خرزة.
كانت الريح تمرّ بين الحجارة هامسة، وكأنها تردّد خلفه بصوتٍ خافت:
"الهدية وصلت يا هيثم… وصلت، ولكن إلى السماء."

اخبار ذات صلة
«بيبي».. لمَ أنت صامت
2010-10-26T07:12:00+02:00