على أطراف خان يونس، يجلس أبو محمد قرب خيمته الممزقة، يراقب الطريق الترابي الممتد شمالًا كأنّه خيط نجاةٍ بعيد. في يده قطعة خبزٍ يابسة يتقاسمها مع أطفاله، وفي قلبه يقينٌ واحد: أن العودة إلى البيت أصبحت حلمًا مكلفًا، لا يقلّ صعوبة عن النجاة من الموت نفسه.
يقول وهو يشير بيده نحو الشمال:
"من هنا خرجنا بألف دولار، ومن هنا يريدون ألفًا آخر لنعود."
يرددها بمرارة كأنها معادلة جائرة، يعرف نتيجتها جيدًا. فكل نقلة من الجنوب إلى الشمال تكلّف ما لا يقل عن ألف دولار، ومئات العائلات لم تعد تملك حتى ثمن ربطة خبز. في المخيم المجاور، يتحدث الناس عن عائلات باعت أثاثها، أو ذهب نسائها، ليتمكنوا من النزوح، ثم وجدوا أنفسهم عالقين في دائرة لا تنتهي من الفقر والنزوح والانتظار.
في غزة اليوم، أكثر من نصف مليون نازح لم يعودوا إلى بيوتهم رغم إعلان وقف إطلاق النار. معظمهم بلا مأوى دائم، يعيشون بين خيام نصبت على عجل فوق أراضٍ موحلة. بعضهم لم يتمكن من العودة لأن منزله أصبح أنقاضًا، وبعضهم لأن تكلفة النقل تفوق أحلامه. آلاف الشاحنات دُمّرت، والوقود لا يدخل إلا بقطرات محدودة، فيما الطرقات تحوّلت إلى شرايين مكسورة تغصّ بالحفر والركام.
تقدّر الجهات المحلية أن أكثر من 90% من البنية التحتية للطرق في القطاع تضررت، وأن مئات المركبات المدنية احترقت تحت القصف. لذلك، أصبح النقل تجارة نادرة، يتحكم فيها قلة من السائقين القادرين على العمل، فيما يدفع الناس ما تبقى من مالهم ليقتربوا خطوة من بيوتهم التي لم تعد موجودة.
في الأسواق المؤقتة داخل المخيمات، ترتفع الأسعار كما ترتفع الأنفاس المتقطعة في صدور الناس. كيلو الأرز أصبح حلمًا، ولحم الدجاج لم يعد يُرى إلا في أحاديث الذكريات. ومع كل صباحٍ جديد، تزداد الطوابير أمام نقاط توزيع الماء والخبز، بينما تزداد البرديات ليلًا فوق أجسادٍ منهكة.
يقول أبو محمد وهو يلف بطانيةً مهترئة حول ابنه الصغير:
"نعيش في خيمةٍ واحدة من قماش، لكنها تحمل فوقنا كل ثقل العالم."
الهدنة التي أعلنت لم تُنهِ الجوع، ولا أعادت البيوت، ولا أصلحت الطرقات. بل تركت الناس معلّقين بين خوفٍ قديمٍ وأملٍ جديدٍ لا يعرفون إن كان سيكتمل. لا أحد هنا يتحدث عن الحياة بعد الحرب، بل عن التكلفة الباهظة للبقاء أحياء.
وعندما تسأل أحدهم: متى ستعود؟
يبتسم بوجهٍ غطّاه الغبار ويقول:
"حين يصبح الطريق إلى بيتي أرخص من ثمن الخبز."
في غزة، لا تُقاس المسافة بين الجنوب والشمال بالكيلومترات، بل بما تبقّى من الجيوب والقلوب.
فالطريق إلى العودة ما زال معلّقًا، مثل أماني الناس المكسورة، في سماءٍ لم تتوقف يومًا عن الحداد.