في خطوة وُصفت بأنها طعنة في خاصرة الدم الفلسطيني، شارك الوزير الفلسطيني السابق والقيادي في حركة فتح أشرف العجرمي في إلقاء محاضرة أمام ضباط الجيش الإسرائيلي داخل إحدى القواعد العسكرية، في ذروة العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.
الواقعة التي كشفتها وسائل إعلام عبرية وفلسطينية أثارت عاصفة من الغضب الشعبي والسياسي، واعتُبرت خيانة وطنية وعمالة مكشوفة للاحتلال الذي يواصل حرب الإبادة ضد أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة.
جاءت محاضرة العجرمي، بحسب التقارير، خلال الأسابيع الماضية ضمن دورة تدريبية لضباط القيادة والأركان في الجيش الإسرائيلي، وهي دورة تُعقد عادة داخل قواعد عسكرية مغلقة بإجراءات أمنية مشددة، ما يعني أن المشاركة تمت بدعوة رسمية من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وبموافقة أمنية عالية المستوى.
توقيت المحاضرة جاء في ظل استمرار القصف الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة، ووسط مشاهد الخراب والموت الجماعي التي يعيشها الفلسطينيون منذ أكثر من عامين، وهو ما جعل الحادثة تُوصف بأنها "انحطاط أخلاقي" و"تطبيع سافر" يتناقض كلياً مع نضال الشعب الفلسطيني وصموده.
تنديد واسع وبيان تبرؤ من العائلة
وأصدرت عائلة العجرمي بياناً شديد اللهجة أعلنت فيه تبرؤها التام من الوزير السابق، مؤكدة أنه "لا يمثلها ولا يمتّ لمواقفها الوطنية بصلة"، ووصفت مشاركته بأنها "خيانة للدم الفلسطيني الذي يسيل كل يوم في غزة والضفة".
وأشارت العائلة إلى أن ما أقدم عليه أشرف العجرمي "يُشكّل جريمة وطنية وأخلاقية بحق أبناء شعبه وأسر الشهداء والأسرى الذين ذاقوا مرارة الاحتلال الذي يخدمه اليوم بالكلام والمواقف".
تاريخ طويل من التطبيع والولاء السياسي للاحتلال
لم تكن هذه الحادثة الأولى التي تثير الجدل حول أشرف العجرمي، إذ يُعرف الرجل منذ سنوات بمواقفه المنفتحة على الإسرائيليين، ومشاركاته في منتديات مشتركة ولقاءات تطبيعية.
العجرمي من مواليد مخيم طولكرم عام 1953، وكان أسيراً في سجون الاحتلال الإسرائيلي لمدة 12 عاماً بتهمة النشاط في صفوف حركة فتح.
وتولى منصب وزير شؤون الأسرى والمحررين في حكومة سلام فياض عام 2007، ثم استقال لاحقاً، لكنه واصل ظهوره في الإعلام الإسرائيلي كـ"خبير في الشؤون الفلسطينية".
وشارك في عشرات الندوات والحوارات التطبيعية مع ضباط ومسؤولين إسرائيليين، بينها مؤتمرات في تل أبيب والقدس، تحت شعار "التعايش والسلام".
وارتبط اسمه بعد عام 2010 بمشاريع تمويلية تشجع على "السلام الاقتصادي" و"التعاون مع الإسرائيليين"، وهي مشاريع وصفتها الفصائل الفلسطينية بأنها "غطاء ناعم للتطبيع الأمني والسياسي".
وفي السنوات الأخيرة، نشط العجرمي ضمن مراكز بحثية إسرائيلية – فلسطينية مشتركة، وأدلى بتصريحات وصف فيها التنسيق الأمني بأنه "ضرورة استراتيجية للطرفين".
هذه المسيرة جعلته يُلقّب في الأوساط الشعبية الفلسطينية بـ"وجه التطبيع الناعم" و"الناطق باسم الاحتلال بلغة فلسطينية"، نظراً لتكرار ظهوره في الإعلام الإسرائيلي لتبرير مواقف السلطة وانتقاد المقاومة.
صمت السلطة وفتح وتورط أخلاقي
ورغم الغضب الشعبي الواسع، لم تُصدر حركة فتح ولا السلطة الفلسطينية أي بيان رسمي حتى اللحظة حول محاضرة العجرمي، ما أثار تساؤلات حول حدود التواطؤ والصمت السياسي في وقتٍ تُرتكب فيه المجازر بحق المدنيين في غزة.
ويرى محللون أن الصمت الرسمي يعبّر عن أزمة داخلية عميقة في حركة فتح، التي تعاني انقساماً بين تيار متمسك بالمقاومة الشعبية وآخر غارق في علاقات التنسيق الأمني والتواصل مع الاحتلال.
خيانة في زمن الدم
ويرى مراقبون أن مشاركة العجرمي تمثل تجسيداً فجّاً للانحراف الوطني في لحظة تاريخية يتوحد فيها الفلسطينيون على صمود غزة.
ويؤكد ناشطون أن ما فعله الوزير السابق "لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال"، وأنه يساهم في تلميع صورة جيش الاحتلال الذي ارتكب أفظع الجرائم بحق الفلسطينيين.
ويذهب آخرون إلى اعتبارها جريمة سياسية مكتملة الأركان يجب أن تُواجَه بموقف حازم من الفصائل الفلسطينية، لأنها تمسّ جوهر الرواية الوطنية وتخون تضحيات الشهداء والأسرى.