قبور بلا أسماء لـ45 شهيدًا عادوا من جحيم الأسر

خاص_الرسالة نت

في باحة الصمت، وصلت الجثث إلى وزارة الصحة في غزة. خمسة وأربعون جثة في يومٍ واحد، ولكن بلا أسماء تضيء طريقهم إلى القبور.

لم تكن الوجوه كما عرفتها الأمهات بصورٍ قديمة أو في الذاكرة؛ تشوّهت ملامحهم بفعل التعذيب الوحشي والإهانة، حتى بات من الصعب التعرف على أي وجه. 

العيون كانت مغطاة بآثار العنف، والفم الذي كان يضحك أو ينشد تحول إلى صمت لا يُعرف مصدره. لم تترك أيادٍ غادرة سوى بقايا جسد.

اجتمع الطاقم الطبي، وقفوا جميعًا — ليس للتشخيص؛ بل للصلاة عليهم. صلاة هادئة، حيث صلّوا على أجساد ملفوفة بلا أسماء، دعاهم الناس بصوتٍ مرتعش، ورفعت رؤوسٌ تبكي لوجوهٍ لا تعرف أسماءها، لكنها تعرف إنسانيّتها.

الدفن كان جماعيًا. حفرةٌ واحدة واسعة، لا مكان للاحتفاء بالأسماء أو لوحات تحمل تاريخ الميلاد والحلم.

رُفعوا واحدًا تلو الآخر، لتغطى وجوههم بالتراب لو أن الأرض تحاول أن تضمّ جسدًا من الظلم والوحشة. وُضعوا كتفٌ إلى كتفٍ، كرمز للوحدة التي انتهكتها الحرب — دفن جماعي يجمعهم في هدوء الأرض بعد كل هذا الضجيج..

الطقوس التي قام بها الطاقم الطبي كانت مزيجًا من مهنة وإيمان — قراءات، دعوات، وأصوات ترتعش من فمٍ لا يزال يحتفظ بقدرٍ من الإيمان بالعدالة.

البعض بكى بصمت، وبعضهم سجد حنوًا على التراب، وكأن اللحظة تطلبت من البشر أن يردوا قليلاً من الكرامة المهدورة إلى ما تبقى من أجساد.

هكذا، في دفن جماعي في مقبرة شهداء السابع من أكتوبر في دير البلح وصلاة متواضعة، تحوّلت الأجساد إلى تذكرة لا تُمحى: أن هناك حياة قُطِعت بوحشية، وأن الوجوه المشوهة لن تمنع الشهداء من أن يكونوا جزءًا من ذاكرة هذا الشعب. 

قبورٌ بلا أسماء، لكن ليس بلا حق أو بلا حكاية؛ فكل ترابٍ فوقهم هو عهدٌ بأن لا ينسى أحدٌ ما حلّ بهم، وأن البحث عن أسماءهم سيستمر حتى يعود لكل اسمٍ مكانه فوق الجسد.

 

المكتب الإعلامي الحكومي ذكر في بيان له طرق تعذيب وحشية رسمت على أجساد 90 جثة عادوا من جحيم الأسر، 45 منهم لم تستطع عائلاتهم التعرف عليهم فدفنوا في مقبرة جماعية.

وقال المكتب الإعلامي أن الأجساد ظهرت عليها علامات حبال مشنقة على الأعناق، أذرع وأقدام مكبلة بمرابط بلاستيكية، أعين معصوبة، وملامح تشير إلى الاعتقال قبل القتل، إطلاق نار مباشر من مسافة قريبة، آثار تعذيب وحروق وكسور وجروح عميقة، وسحق تحت جنازير الدبابات.

 

 كل تفصيلة من وسائل التعذيب الوحشية  تؤكد جريمة متعمدة لا تُنسى وإن دفنت بلا أسماء.