يحذّر تحقيقٌ حديث نشرته مجلة أمريكية من أنّ عصاباتٍ فلسطينيةً مسلّحة، تحظى بدعمٍ مباشر أو غير مباشر من "إسرائيل"، تتحرّك داخل غزة بما يهدّد اتفاق وقف إطلاق النار الهشّ ويغذّي فوضى أمنية يمكن استخدامها ذريعةً للعودة إلى الحرب.
وتجد هذه السياسة جذورها في منهج “فرّق تسُد” الذي يراهن على الانقسام الداخلي وإسناد العنف إلى أطرافٍ محليّة لإضعاف أي سلطة فلسطينية موحّدة.
ما الذي جرى ولماذا الآن؟
ورصد تحقيق مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية أنه خلال الأسبوع التالي لدخول الهدنة حيّز التنفيذ، انتشرت مقاطع تُظهر إعداماتٍ ميدانيةً لعناصر من عصاباتٍ وُصفت بأنّها تورّطت في القتل والنهب والترويع تحت ستار الفوضى التي خلّفتها الحرب.
يقرأ مؤيدو "إسرائيل" هذه المشاهد باعتبارها “الوجه الحقيقي” لحماس، لكنّ التحقيق يشدّد على سياقٍ مغيّب: مجموعاتٌ مناوئة لحماس تلقت أسلحةً وإمدادًا وحمايةً وثّقت صلاتها بمؤسساتٍ أمنية إسرائيلية أو عملت في نطاقاتٍ تخضع للسيطرة الإسرائيلية.
ويُفصّل التحقيق أنّ بعض قادة هذه الجماعات ومعاونيهم انسحبوا مع تحرّكات الجيش الإسرائيلي، ثم عادوا للعمل مُعلنين تحدّيهم لحماس في مناطقَ ظلّت محكومةً بترتيباتٍ إسرائيلية، ما أتاح لهم التمدد والتسليح واستعراض القوة. النتيجة: مشهدٌ أمنيّ هَشّ يمكن لأيّ خرقٍ أن يفجّره ويعيد دوّامة العنف.
سياسة قديمة بوجهٍ جديد
ويربط التحقيق هذا النمط بسياساتٍ تاريخيةٍ اتبعتها "إسرائيل" لتفتيت البنية السياسية الفلسطينية، من “روابط القرى” في الضفة وغزة قبل عقودٍ إلى أطروحات “حكم العشائر” بعد الحرب الأخيرة. الفكرة المركزية: صناعة بدائل محليّة مُجزّأة، أقلّ كلفةً على "إسرائيل" وأكثرَ قابليةً للإنكار، مع الحفاظ على رواية “العنف الفلسطيني الداخلي”.
وفي أشهرٍ سابقة، خرجت اعترافاتٌ وتصريحاتٌ علنية تُظهر تعاونًا مع “عشائر” ومجموعاتٍ مسلّحة لمواجهة حماس، منها ما صدر عن رئيس وزراء الاحتلال المجرم بنيامين نتنياهو بشأن “تفعيل” عائلاتٍ فلسطينية، إلى تقاريرٍ صحفيةٍ غربية وثّقت تسليح جماعاتٍ بعينها وتزويدها بالمال والسلاح والغطاء.
من هم أبرز الأطراف على الأرض؟
“القوات الشعبية” بقيادة ياسر أبو شباب: يُشار إليه كمتّهمٍ سابق بالتهريب وذو صلاتٍ بجيوبٍ متشددة في سيناء، واتُّهمت مجموعته بنهب شحنات مساعداتٍ وإعادة بيعها في السوق السوداء، فيما تحاول رواياتٌ إسرائيلية إعادة توصيفه كـ“ناشط مجتمع مدني”. تظهر المجموعة وتتحرّك غالبًا داخل نطاقات السيطرة الإسرائيلية.
“قوة مكافحة الإرهاب” بقيادة حسام الأسطل: انشقّ عن “القوات الشعبية” وشكّل فصيلاً مسلحًا مستقلًّا، وصرّح علنًا بتعاونه مع قواتٍ إسرائيلية وفق توثيقاتٍ إعلاميةٍ غربية.
“الجيش الشعبي” بقيادة أشرف المنسي: يُذكر أنّه ينفّذ عملياتٍ داخل مناطق السيطرة الإسرائيلية مع أدلةٍ مرئيةٍ على تلقّي إمداداتٍ مباشرة.
هذه الأسماء ليست حصراً، بل عيّناتٌ من شبكةٍ أوسعَ تتغذّى على اقتصادِ حربٍ ومناطقَ رماديةٍ أمنياً.
كيف تُهدّد هذه الشبكاتُ الهدنة؟
1. إسناد العنف بالوكالة: يمنح "إسرائيل" هامشَ إنكارٍ واسعًا إذ تبدو الاشتباكات “فلسطينية-فلسطينية”، فيما يمكن استخدامها ذريعةً لنسف الهدنة والعودة إلى العمليات.
2. تكريس الانقسام: تُضعف أيّ سلطةٍ أمنيةٍ مُوحّدة، وتحرم غزة من استقرارٍ ضروريّ لمرحلة ما بعد الحرب.
3. تشويش مسارات الإغاثة: تقارير متقاطعة ربطت بعض هذه الجماعات بعمليات نهب المساعدات وتسييس مسارات توزيعها ضمن ترتيباتٍ بديلةٍ انتقدتها منظماتٌ دولية.
كيف تردّ حماس وما أثر ذلك مجتمعياً؟
يقول تحقيق RS إنّ حماس أعادت تنظيم صفوفها، وتحرّكت مع قوى فلسطينيةٍ أخرى لضبط الأمن عبر حملاتٍ قاسية، نالت – رغم اعتراضاتٍ قانونية – تأييدًا اجتماعيًا ملحوظًا من سكّانٍ سئموا الانفلات. لكنّ هذا النهج يوفّر أيضًا لمعارضيها مادةً دعائيةً لاتهامها بـ“الوحشية”، ويُحرج الوسطاء الدوليين القلقين على مصير الهدنة.
البُعد الأميركي: لماذا الإفلات من النقد؟
يتوقف التحقيق عند دور واشنطن؛ إذ إنّ غضّ الطرف عن تفكيك الوحدة الفلسطينية وتغذية اللاعبين المحليين المسلحين يخلق “حلقةَ عنفٍ مستمرة” لا تُبذل جهودٌ كافية لكسرها، وفق شهادات دبلوماسيين وخبراء نقلها التحقيق. والنتيجة: تهديدٌ مباشر لاستدامة وقف النار، وبيئةٌ خصبة لعودة العمليات العسكرية في أيّ لحظة.
الوقائع التي عزّزت الاستنتاجات
اعترافاتٌ وتصريحاتٌ علنية عن “تفعيل” أو تسليح مجموعاتٍ في غزة لمجابهة حماس، مع تحذيراتٍ داخل "إسرائيل" من ارتداد هذه السياسة أمنيًا.
تحقيقاتٌ بصرية وإعلامية وثّقت إمداد ميليشياتٍ بالمال والسلاح ونشاطها داخل نطاقات السيطرة الإسرائيلية، وتورّطها في مسارات توزيع المساعدات.
تحذيراتٌ بحثية من Responsible Statecraft تفيد بأنّ هذه الشبكات قد “تنسف” الهدنة عمليًا عبر جرّ غزة إلى اقتتالٍ داخليّ يبرّر استئناف الحرب.
إلى أين يتّجه المشهد؟
بحسب التحقيق، فإنه إذا استمرّ تشغيل هذه الشبكات وتمدّدها، فسيُعاد تدوير سردية “عدم وجود شريك فلسطيني” وتُشرعنُ فوضى مزمنةٌ تُضعف أيّ مسارٍ سياسي أو ترتيباتِ أمنٍ محلية.
بالمقابل، فإنّ تفكيك هذه العصابات وتوحيد مرجعيّة الأمن المدنيّ والشرطيّ داخل غزة هو شرطٌ لازمٌ لأيّ هدنةٍ قابلةٍ للبقاء. هذا ما يلمّح إليه التحقيق باعتباره الاختبار الحقيقي لمرحلة ما بعد النار.