عامان على طوفان الاحرار عامان على طوفان الاحرار

الحلقة الاستثنائية من "ما خَفِي أعظم"… تامر المسحال يفضح جرائم "إسرائيل" في غزة

خاص_الرسالة نت

في لحظة صحافية مفصلية تُضاف إلى سجلّ الحقّ والعدالة، قدّمت حلقة البرنامج الاستقصائي «ما خَفِي أعظم» – التي أعدّها الإعلامي القدير تامر المسحال عبر شبكة الجزيرة – نموذجاً للإعلام الذي لا يكتفي بالكشف بل يسعى إلى المحاسبة والمساءلة، حينما تناول ملفّ استشهاد الطفلة الفلسطينية هند رجب (6 سنوات) وعائلتها بمدينة غزة، فضلاً عن استهداف سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، ما فتح باباً كبيراً على جرائم مُعلَنة تُرتكب ضد المدنيين وتركت ندوباً لا تُمحى.

«اللي أعطى أمر بقتل روح بريئة هذا من أسوأ الأشياء» – كلمات موجعة من والدة هند، السيدة وسام حمادة، بعد مشاهدة الحلقة.

 

لماذا تُعدّ هذه الحلقة مفصلية؟

أولاً، لأنّها كشفت أمام الجمهور – وللمرة الأولى – أسماء ضباط وجنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي، مُشتبَة بتورّطهم المباشر في تنفيذ الجريمة التي راح ضحيتها هند وعائلتها، ما يربط القيادة العسكرية بالغُزاة والميدان، ويحوّل الحادثة من “عمل فردي” إلى “منهجية” ثابِتة. فقد تضمّنت اللائحة التي أعدّتها مؤسسة هند رجب 24 متهماً باسمٍ ولقب، من بينهم العقيد بني أهارون قائد اللواء المدرّع 401، والمقدّم دانيال إيلا قائد الكتيبة المدرّعة 52، والرائد شون غلاس قائد سرية “إمبراطورية مصاصي الدماء”، إضافة إلى 22 جندياً من طاقم الدبابات. 

ثانياً، الحلقة لم تكتفِ بعرض أسماء، بل أرفقتها بما يزيد على 120 صفحة من الملف القانوني المُعدّ، يحوي صوراً فضائية، تحليل طبّي جنائي، تسلسل قيادة، ووثائق تؤكد النية المتعمّدة لاستهداف المدنيين، مما يجعل القضية تُواجه في إطار جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. 

ثالثاً، الموضوع لا يخصّ فقط الهند، بل أبعاد أكبر: من تنظيم التحقيقات الدولية أمام المحكمة الجنائية الدولية (ICC) إلى ملاحقات قانونية في دولٍ خارج فلسطين (الولايات المتحدة، أوروبا، أمريكا اللاتينية) على مبدأ الولاية القضائية العالمية. 

رابعاً، يُظهر هذا النوع من التحقيقات الاستقصائية مدى قدرة الإعلام المهني على تجاوز الحواجز الأمنية والسياسية، وتقديم مادة قوية للعدالة والمساءلة، ما يعزّز دور الصحافة كحليف للضحايا.

 

لمحة من مجريات الحلقة

الحلقة التي حملت عنوان “الملاحَقون” – ضمن سلسلة ما خَفِي أعظم – عرضت تفاصيل دقيقة لحادثة 29 يناير 2024، حيث استُهدِفت سيارة الطفلة هند وعائلتها بواسطة دبابات إسرائيلية، ثم سيارة إسعاف تنقلت “رغم التنسيق المسبق” بين الهلال الأحمر وجيش الاحتلال. 

خلال التحقيق، ظهرت صور الضابطَين المذكورَين أعلاه، وعُرضت لقطات جوية تُظهر مسار الدبابات، مواقع الاشتباك، وكذلك وثائق تثبت أن الضحايا كانوا مدنيين لا يحملون سلاحاً، ما يُشكّل دليلاً على الاستهداف المتعمد. والدة هند عبّرت بأن مشاهدة هذه اللقطات بمثابة “فتح جرح جديد”، وأنها رغم الألم فإنها مصمّمة على متابعة الحق حتى النهاية. 

وفي سياق الملف، أعلنت مؤسسة هند رجب تقديم بلاغ رسمي للمحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي، تطالب فيه بإصدار أوامر اعتقال بحق الـ24 متهماً. 

 

ماذا تعني هذه الحلقة على مستوى العدالة والمساءلة؟

كسر الإفلات من العقاب: كثير من جرائم الاحتلال تُحجب خلف الخوف والعزلة السياسية، لكن هذه الحلقة وضعت الضوء على جهات تنفيذية واضحة، وبالتالي تضعهم تحت المقعد الساخن الإعلامي والقانوني.

إتاحة الأدلة للعلن: عبر عرض أسماء وصور ووثائق، فإنّ الحلقة توفّر مادة أولية يمكن للمحامين والمحاكم الدولية البناء عليها، ما يزيد من الضغط على "إسرائيل" والمجتمع الدولي للتحرّك.

دعم الضحايا والصوت المدني: من خلال إبراز صوت والدتها، والمطالبة العلنية من عائلة هند بعدالة لا تُؤجّل، تصبح الحلقة بمثابة قوة موازية لدعم حقّ الضحايا في المعرفة والعدالة.

تحفيز الإعلام الاستقصائي: هذا العمل يُراكم لصالح حرّية الصحافة في تغطية الانتهاكات، ويظهر أن الفضائيات العربية يمكن أن تلعب دوراً فاعلاً في كشف الحقائق رغم بيئات التعتيم والتهديد.

فتح الباب على ملاحقات دولية: حين تُجمع الأدلة بالدليل اللوجستي والثبوتي، تصبح القضايا ليست محصورة في غزة أو فلسطين، بل تتحوّل إلى محاكمات دولية، وهذا ما بذلت الحلقة جهداً في الوصول إليه.

 

تقييم العمل الصحفي والتحديات

من حيث الأداء، يُعدّ مقدم البرنامج تامر المسحال شخصية إعلامية قدّمت مستوى احترافياً متميّزاً: من إعداد المواد الاستقصائية، إلى التواصل مع الضحايا، ومن ثم الدمج بين الوثائق والصور والمقابلات. 

وفي ضوء ما عرضته الحلقة، فإنّها لا تُعدّ مجرد “نشرة” أو “تحقيق تلفزيوني” بل خطوة كبرى نحو العدالة والمعرفة. 

ويبقى على الجهات الحقوقية والمحامين الذين عملوا على الملف أن يستثمروا مضمون التحقيق كوثيقة دعم لملاحقاتهم، كذلك على المؤسسات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية أن تأخذ بعين الاعتبار هذا النوع من التحقيقات كمادة مساندة لعملها.

حلقة «الملاحَقون» من “ما خَفِي أعظم” ليست فقط شهادة على جريمة ارتكبت، بل هي دعوة للجميع: إعلاماً، حقوقيين، جمهوراً، أن يكونوا شركاء في المسار نحو مساءلة من ظنّ أن جرائمه ستُدفن في الصمت. إنها رسالة بأن الحقّ، وإن تأخّر، لا يُمحى، ولا يُنسى.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تحقيقات

البث المباشر