قائمة الموقع

غزة تعيش على "اقتصاد البقاء" وسط الخيام وغياب الدخل

2025-10-27T09:15:00+02:00
الرسالة نت -خاص

تتبدل مفاهيم الحياة اليومية من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد البقاء في قطاع غزة الذي أنهكته الحرب والحصار، فآلاف العائلات التي كانت تمتلك بيوتا ومحال ومصادر رزق، باتت اليوم تسكن الخيام وتقتات على المساعدات.
وفي مشهد إنساني قاسٍ، يصحو الناس كل صباح على سؤال واحد: كيف نعيش هذا اليوم،
لا خطط طويلة الأمد ولا دخل ثابت ولا أمان اقتصادي، بل سباق مرهق لتأمين الماء والغذاء والدواء، فيما السوق الرسمي غائب تماما، ويحل مكانه اقتصاد يومي هش يطغى عليه السوق السوداء والمبادلات البسيطة داخل المخيمات.
ويُقصد بمصطلح اقتصاد البقاء ذلك النمط الاقتصادي الذي يظهر في المجتمعات المتضررة من الحروب أو الكوارث، عندما يفقد الأفراد ممتلكاتهم ومصادر رزقهم فيتحول الهدف من الإنتاج والادخار إلى تأمين أساسيات البقاء فقط.
وفي غزة، بات هذا المصطلح يصف بدقة واقع الحياة داخل الخيام، حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان في ظروف قاسية بلا موارد مالية، يعتمدون على ما يصلهم من مساعدات إنسانية أو ما يمكنهم مقايضته مع الجيران، إنه اقتصاد بلا بنوك ولا رواتب ولا مؤسسات، بل اقتصاد يومي يتحرك تحت ضغط الحاجة والعوز، لا تحكمه قوانين السوق بل قانون الندرة والنجاة.
حياة صعبة
وفي أحد مخيمات النزوح وسط مدينة غزة، يجلس المواطن عماد سعدالله أمام خيمته التي أقامها بجهد ذاتي بعد أن تهدم منزله بالكامل في شمال غزة واضطر للنزوح، حيث كان يعمل قبل الحرب سائقا على شاحنة صغيرة، أما اليوم فيصف حياته بكلمات قليلة: "كنا نعيش حياة بسيطة لكنها كريمة، أما الآن فنحن نعيش اليوم بيومه وبصعوبة".
ويبدأ عماد يومه منذ الفجر في طوابير انتظار المياه، ثم يسعى للحصول على الحطب لإشعال النار وبعض الطعام من التكية والمساعدات التي توزّعها المنظمات الإنسانية.
ويقول: "أحيانا ننتظر ساعات طويلة من أجل كيس دقيق أو بضع عبوات مياه، وإن لم نحصل عليها نضطر للشراء من السوق السوداء بأسعار خيالية".
ويضيف: "الخيمة لا تقي حر النهار ولا برد الليل، والأطفال يمرضون باستمرار لكن لا دواء ولا طبيب قريب، حتى شحن الهاتف أصبح ترفا ومكلفا".
أما عن العمل، فيقول بأسى: "لا فرص ولا وظائف، كل من أعرفهم فقدوا مصادر دخلهم، البعض يبيع المساعدات أو يستبدلها بما يحتاج، نحن لا نعيش، نحن فقط نحاول البقاء".
وفي خيمة أخرى مجاورة، يعيش المواطن فريد سلطانة مع أسرته المكونة من سبعة أفراد بعد أن دمر جيش الاحتلال منزله في شمال القطاع.
ويقول فريد: "أصعب ما نواجهه هو الماء، نبحث عنه كل يوم كمن يبحث عن كنز، صهاريج المياه تمر أحيانا مرة واحدة أو مرتين في الأسبوع، ونضطر لقطع مسافات طويلة لتأمين المياه أو لشرائه بسعر مرتفع".
ويضيف: "المساعدات لا تكفي الجميع، حتى الأرز والزيت والخبز أصبحت تشترى من السوق السوداء، كل شيء له ثمن مضاعف، ونحن لا نملك المال".
ويتحدث فريد عن حياة المخيمات قائلا: "كل خيمة صارت سوقا صغيرة؛ أحدهم يبيع خبزا وآخر يشحن الهواتف وثالث يبدّل المساعدات بملابس أو أدوية، هذا هو اقتصادنا اليوم اقتصاد من لا يملك شيئا سوى ما تبقى له من صبر".
ويختم فريد بقوله: "أكبر خسارة ليست في المال أو البيت بل في الإحساس بالأمان، كأننا نعيش خارج الزمن ننتظر فقط أن تنتهي هذه الأيام الصعبة".
ملامح اقتصاد البقاء
ويظهر الواقع الميداني أن اقتصاد غزة اليوم غير رسمي بالكامل، قائم على البقاء فقط، فالأسواق التقليدية أغلقت والمصانع دمّرت والمزارع جفّت، وفي ظل غياب الكهرباء والوقود توقفت أغلب الأنشطة الإنتاجية.
ويعتمد السكان على المساعدات الإنسانية بنسبة تفوق 95%، بينما يعيش أكثر من تسعة من كل عشرة أشخاص تحت خط الفقر، وفق تقديرات منظمات دولية.
وتحوّل الناس إلى مستهلكين قسرا، يتبادلون السلع البسيطة ويعتمدون على المقايضة أو البيع الجزئي لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وكذلك أصبحت السوق السوداء الساحة الرئيسية للتعاملات، حيث تباع السلع النادرة بأسعار مضاعفة وسط غياب الرقابة والقدرة الشرائية.
ومن المنظور الاقتصادي، يمثل "اقتصاد البقاء" في غزة أخطر مراحل الانهيار الاقتصادي، إذ يدمر البنية الإنتاجية ويحوّل المجتمع إلى كتلة من الفقر المدقع.
فحين تتجاوز معدلات الفقر 90%، وتصبح المساعدات المصدر الرئيسي للغذاء والماء، يفقد الاقتصاد قدرته على إعادة إنتاج نفسه، حيث لا عمل، لا ادخار، لا استثمار، بل دورة مغلقة من الاعتماد على الخارج والبقاء المؤقت.
كما أن تفشي السوق السوداء يخلق بيئة من الاستغلال والاحتكار ويضعف القيم الاجتماعية، إذ يضطر الناس إلى بيع ما يُمنح لهم للبقاء على قيد الحياة، وبهذا يتحول التضامن الإنساني إلى نشاط تجاري غير منضبط.
ويرى اقتصاديون أن أخطر ما في اقتصاد البقاء أنه يطيل أمد الأزمة، لأن المجتمع يفقد الحافز للإنتاج عندما يتحول البقاء نفسه إلى نمط حياة، فكل طاقة تستهلك في النجاة اليومية بدلا من البناء والعمل.

اخبار ذات صلة