العالم بعد غزة.. انهيار الأخلاق الغربية وولادة إنسانية جديدة

متابعة_الرسالة نت

تناولت الكاتبة اللبنانية نجوى بركات أحدث مؤلفات المفكّر والمؤرّخ الثقافي الهندي بانكاج ميشرا، بعنوان «العالم بعد غزة»، الصادر عن دار بنغوين في لندن، ثم مترجماً إلى الفرنسية عن دار زولما في باريس. 

ويُعدّ ميشرا أحد أبرز الأصوات النقدية في الفكر ما بعد الاستعماري، وأحد المفكرين القلائل الذين ربطوا بين مأساة غزة وانهيار البنية الأخلاقية للغرب الحديث.

 

توضح الكاتبة نجوى بركات في مقالٍ تحليليٍّ فكريٍّ نشرته الكاتبة اللبنانية نجوى بركات في زاويتها بموقع العربي الجديد أن بانكاج ميشرا يرى في كتابه أن حرب غزة شكّلت نقطة تحوّل تاريخية في الوعي الإنساني، إذ كشفت عن التناقض الصارخ بين الخطاب الغربي القائم على "حقوق الإنسان" وبين تواطؤه الصامت أمام الإبادة.

يكتب ميشرا: «الغرب في حالة تدهور... الإجماع الأخلاقي العالمي بأسره يتعرّض للتهديد بشكل لا يُمكن إصلاحه».

ويفسّر ذلك بأن ما جرى في غزة دمّر مصداقية الغرب الأخلاقية، لأنه عرّى الفجوة بين القيم التي يدّعيها وبين أفعاله في الواقع.

 

من الهولوكوست إلى غزة: عودة التاريخ في صورة مأساة

وبحسب بركات، يستحضر ميشرا في كتابه اقتباسات من الكاتب الإيطالي اليهودي بريمو ليفي، ليذكّر بأن البشرية لم تتعلّم من ماضيها، وأن الغيتوات التي عاشها اليهود في أوروبا تتكرر اليوم في غزة بشكل مقلوب، حيث يتحوّل "الضحية القديمة" إلى "جلاد جديد".

ويكتب ميشرا على لسان ليفي: «نحن أيضاً مُبهرون بالقوة والمال، لدرجة أننا ننسى هشاشتنا الأساسية: ننسى أننا جميعاً في الغيتو... وأن القطار ينتظرنا».

بهذا، يربط الكاتب الهندي بين فقدان الذاكرة الأخلاقية الجماعية وبين تكرار الجرائم تحت غطاء الحضارة.

 

غزة في سياق الاستعمار والجنوب العالمي

وتوضح بركات أن ميشرا لا يتعامل مع الحرب على غزة كحدث منفصل، بل كجزء من تاريخ طويل من الهيمنة الاستعمارية. 

فهو يرى أن ما يحدث في غزة يعيد إلى الأذهان معاناة الشعوب المُستعمَرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ويؤكد أن الصراع ليس فقط عسكرياً بل هو صراع على الذاكرة والمعنى.

ويعتقد المفكر الهندي أن الحلّ يكمن في بناء سردية عالمية مشتركة بين الجنوب والغرب، قادرة على تجاوز التراتبية الأخلاقية والعرقية التي رسّختها الإمبراطوريات، داعياً إلى ولادة "إنسانية جديدة" قائمة على النقد الذاتي والتضامن.

 

نحو إنسانية ما بعد الديمقراطية

وتنقل الكاتبة اللبنانية أن ميشرا يستند إلى أعمال مفكرين كبار مثل حنّة أرندت، إدوارد سعيد، وجيمس بالدوين، ليبني أطروحته حول ضرورة إعادة تعريف "الإنسانية" خارج الإطار الغربي.

ويكتب: «العالم بعد غزة لا يمكن أن يُبنى إلا بالاعتراف بجراحنا المشتركة، لا بترسيخ كراهية الآخر».

ويضيف أن صمت الغرب أمام المأساة ليس سوى عرضٍ لأزمة أعمق: انهيار الروح والمعنى في الحضارة الحديثة التي أسرتها التكنولوجيا واللامبالاة.

 

وتختم نجوى بركات تقريرها مؤكدة أن كتاب «العالم بعد غزة» ليس مجرّد تأمل فلسفي، بل صرخة فكرية تدعو إلى إعادة بناء الضمير الإنساني من تحت الركام. 

فغزة بالنسبة لميشرا ليست مكاناً جغرافياً فحسب، بل مرآة كونية تكشف حقيقة العالم ما بعد الحداثة: عالم فقد بوصلته الأخلاقية، وبات بحاجة إلى ولادة جديدة تُعيد تعريف معنى العدالة والإنسانية.