المجاعة مستمرة في غزة رغم وقف إطلاق النار

خاص_الرسالة نت

رغم مرور عشرين يوما على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، فإن الواقع الميداني يكشف أن معاناة السكان لم تنتهِ، بل ازدادت حدة في شمال القطاع حيث يستمر شبح المجاعة في التمدد.

فالحصار المستمر وانهيار البنية التحتية وندرة الوقود وتراجع الإمدادات الغذائية، جعلت آلاف العائلات عالقة في دائرة الجوع والخوف.

ورغم التصريحات المتفائلة عن دخول المساعدات الإنسانية، فإنها لم تصل إلا إلى مناطق محدودة وبكميات شحيحة، فيما لا يزال الشمال محاصرا بالعطش والبرد وانعدام المواد الأساسية.

معاناة السكان

ويقف عبد القادر حماد، أحد سكان مخيم جباليا في شمال قطاع غزة، أمام خيمته الممزقة ويصف الوضع بعبارة مؤلمة: "وقفوا إطلاق النار، لكنهم لم يوقفوا الجوع".

ويقول إن المساعدات التي تصل للمخيم قليلة وغير منتظمة، مشيرا إلى أنه لا مخابز بالشمال في ظل الدمار الهائل، ومع ارتفاع أسعار الخبز إلى الضعف، اضطر هو إلى بيع بعض مقتنياته لتوفير القليل من الطعام.

ويتابع بمرارة أن أطفاله يعانون من آلام بسبب سوء التغذية، وأن الأدوية غير متوفرة في العيادات الميدانية، في حين انقطعت مياه الشرب الصالحة والتي بالكاد تصل بسبب عدم توفر الكهرباء والطاقة.

ويختم قائلا: "نحتاج الآن إلى الغذاء أكثر من أي شيء، فالناس تموت بصمت بعد أن توقفت أصوات القصف".

وفي أحد أحياء شمال القطاع، تعيش الأرملة أم رائد في بيت شبه مهدم بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب الأخيرة، تقول: "توقعت أن يحمل وقف إطلاق النار بداية جديدة، لكنه لم يغيّر شيئًا". فهي تعيل خمسة أطفال بمفردها، منهم رضيع، وتعتمد على ما تبقى من مساعدات جيرانها.

وأضافت: "منذ أسبوعين لم نحصل على أي سلة غذائية، وتطبخ مرة واحدة في اليوم، وتكتفي أحيانا بالماء والملح لتسكين الجوع".

وتروي أم رائد أن الحليب الصناعي لأطفالها غير متوفر، وإن وجد فسعر العلبة الواحدة تجاوز قدرتها الشرائية بأضعاف، وتضيف بأسى: "أراقب أطفالي يأكلون، بينما أتظاهر بالشبع".

وفي الليالي الباردة، تخشى أم رائد على أطفالها من البرد أكثر من الجوع، إذ لا تملك ملابس شتوية أو بطانيات كافية، ومع انعدام الدخل وغياب المساعدات المنتظمة، تقول إنها باتت تفكر ببيع ما تبقى من أثاث منزلها لتأمين الطعام، مؤكدة أن وقف إطلاق النار "لم يُشبع أحدا".

خلفية اقتصادية: الفقر يتجاوز 90% وسكان يعتمدون على المساعدات

أوضاع مأساوية

وتؤكد تقارير اقتصادية إن نسبة الفقر في قطاع غزة تجاوزت 90% بعد الحرب الأخيرة، وأن أكثر من 95% من السكان يعتمدون كليا على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة.

ووفقا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، فإن الحرب أعادت التنمية في غزة إلى الوراء نحو 69 عاما، فيما أشار البنك الدولي إلى أن نصيب الفرد من الدخل تراجع إلى أقل من 3 دولارات يومياً في المتوسط.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الانكماش الاقتصادي الشديد ناتج عن توقف الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية، حيث دمرت إسرائيل نحو 80% من المصانع و75% من الأراضي الزراعية.

أما "الأونروا" فقد أوضحت أنها عاجزة عن تلبية كل الطلبات بسبب نقص التمويل، مؤكدة أن غزة اليوم تواجه أسوأ أزمة إنسانية منذ عقود، والمساعدات الحالية لا تغطي إلا جزءا من الاحتياج الفعلي.

وفي تقريرها الأخير الصادر هذا الشهر، حذرت الأمم المتحدة عبر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) من أن الوضع في غزة بعد وقف إطلاق النار لا يزال كارثيا.

وجاء في التقرير أن أكثر من 90% من سكان القطاع يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن ما يوزع من مساعدات لا يفي حتى بنصف الاحتياجات اليومية.

كما أشار التقرير إلى أن البنية التحتية مدمرة بشدة، بما في ذلك الطرق والمستشفيات وشبكات المياه، وأن إعادة الإعمار تحتاج إلى سنوات في ظل غياب الموارد والتمويل.

وأكدت الأمم المتحدة أن استمرار القيود على دخول الوقود والمواد الأساسية يمنع تشغيل المخابز ومحطات المياه، مما يفاقم خطر انتشار الأمراض وسوء التغذية، خاصة في شمال القطاع حيث الوصول شبه معدوم.

وختم التقرير بتوصية عاجلة بضرورة توسيع ممرات المساعدات الإنسانية فورا ورفع القيود المفروضة على المواد الغذائية والطبية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.