قائمة الموقع

تلّ الهوى… حَيٌّ يكتب وجعه بين البيوت المتشققة والخيام

2025-10-31T12:16:00+02:00
غزة - كارم الغرابلي

في بيتٍ آيلٍ للسقوط داخل حيّ تلّ الهوى جنوب مدينة غزة، تعيش عائلة الحداد التي ما زالت تُصرّ على البقاء بين الجدران المتشققة، وبين ذكرياتٍ رافضـةٍ أن تُدفن تحت الركام.

هذا المنزل الذي احتضن أفراد العائلة لسنوات، أصبح اليوم كتلةَ إسمنتٍ متعبة تتمايل مع الرياح، كأنها تُصارع الانهيار في أي لحظة.

لا ماء، لا طعام، ولا أصوات حياة من حولهم…فكل ما يحيط بالعائلة صمتٌ يختنق، وشوارع فقدت ملامحها، وأرواح تنتظر شيئًا لا يأتي.

تقول أم ماجد الحداد للرسالة نت، وهي تتفقد شقوق الجدران كل صباح:“لو رحلنا… إلى أين؟ ليس لدينا خيمة، ولا مال، ولا مكان آخر. سنبقى هنا، ولو سقط البيت فوق رؤوسنا.”

تنطق الجملة بمرارةٍ لا يحتاج معها المستمع إلى تفسير. فالبقاء في خطر أصبح أرحم من الرحيل إلى المجهول.

تلّ الهوى، الذي تبلغ مساحته نحو 0.79 كم² ويقطنه ما يقارب 19 ألف نسمة، لم يكن مجرد حيّ عادي في غزة.
كان يُعد من أرقى أحيائها، حديث البناء، حيث أُعيد إعمار معظم مناطقه عام 1994، واحتضن أهم المرافق التعليمية والصحية، من بينها الجامعة الإسلامية، ومستشفى القدس، والمستشفى الميداني الأردني، ومدارس ومؤسسات حكومية.

اليوم تغيّر كل شيء فيه.
الشارع الرئيسي الذي كان يزدحم بالمارة والمحال التجارية، صار ممّرًا للباحثين عن بقايا بيوتهم.
حولك واجهات متفحّمة، شرفات مبتورة، ولون رمادي يغطي كل شيء.

يقول أبو أحمد، أحد كبار السن من سكان الحي، وهو يقف أمام منزله المدمر:
“هذا لم يكن حجارة… كان عمري. ثلاثون عامًا هنا. أولادي كبروا في هذا البيت، وذكريات زوجتي في كل زاوية. اليوم لا أرى إلا الأطلال.”

حتى الأشياء الصغيرة التي بقيت تحت الركام تحولت إلى رموز حياةٍ انتهت:لادمية محروقة، حقيبة مدرسة، ساعة يد مكسورة… كل شيء هنا يتحدث عن لحظةٍ قاسية لم يسعفها الوقت.

وعلى بُعد أمتار قليلة، تعيش عائلة جندية داخل خيمة صغيرة لا تقوى على صدّ البرد ليلاً ولا حرّ النهار.

خيمة نُصبت فوق أرضٍ كانت شارعًا مُعبّدًا، فتحوّلت إلى منزل مؤقت لعائلة فقدت كل شيء.
تحاول ابنتهم “حلا”، ذات الأعوام الثمانية، أن تكتب واجباتها على قطعة كرتون، فيما تتطاير الأوراق كلما هبَّ الهواء.
تقول والدتها:“نحن لا نطلب الكثير… فقط بيتًا. جدار وأبواب وسقف، يحفظ أطفالنا من البرد والخوف.”

الخيام انتشرت في المنطقة كأنها خارطة جديدة للحي: خيمة للحداد، وأخرى لجندية، وثالثة لعائلات رحلت على عجل دون أن تحمل شيئًا.
المؤقت في غزة يتحول إلى دائم… والنازحون صاروا سكانًا بين الخيام.

ورغم الدمار الهائل الذي أصاب تلّ الهوى خلال حرب الإبادة الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، يستمر شبان الحي في عمليات الإنقاذ بوسائل بدائية.
لا رافعات، ولا معدات حديثة… فقط أيدٍ تحفر تحت الحجارة، وقلوب تأبى الاستسلام.
كل حجر يُرفع قد يخفي: صورة عائلية، وثيقة شخصية، أو جسدًا لم يُعرف اسمه بعد.

ورغم قسوة المشهد، تبقى إرادة الحياة أقوى من الركام.
فالناس هنا يتشاركون ما تبقى لديهم من طعام، ويقفون معًا ليعيدوا ترتيب ما دمّره القصف.

تلّ الهوى اليوم ليس فقط حَيًا مدمّرًا، بل شاهِدًا على مأساة إنسانية عميقة.
عائلات تشردت، أطفال فقدوا بيوتهم، شوارع اختفت من الخرائط…
لكن في كل ذلك، هناك صمود لا يموت.

اخبار ذات صلة