الرسالة نت _ خاص
على مدار تاريخٍ طويل، كان تشرين، شهر الزيتون، يملأ غزة برائحة الأرض الرطبة، وبأصوات النسوة والأطفال تحت ظلال الأشجار، وبطعم العصرة الأولى مع رغيف الطابون.
أمّا اليوم، فيمرّ تشرين صامتًا كما هو منذ عامين؛ لا أصوات غربال، ولا مزارعين، ولا حتى ظلّ شجرة واحدة في كثيرٍ من الدونمات التي كانت يومًا تعجّ بالحياة.
في غزة، حيث كانت نحو 50 ألف دونم مزروعة بالزيتون قبل الحرب، لم يتبقَّ اليوم سوى قرابة 4 آلاف دونم فقط، بعد عامين من العدوان المتواصل الذي أتى على الحجر والشجر والبشر معًا.
رماد لمليون شجرة
تقول وزارة الزراعة في غزة إنّ أكثر من 75% من أشجار الزيتون قد دُمّرت أو جُرفت أو أُحرقت بفعل القصف الإسرائيلي المتكرر.
كان القطاع يضمّ أكثر من مليون شجرة زيتون تُثمر سنويًا نحو 35 ألف طن من الزيتون، قبل أن يتراجع الإنتاج إلى أقل من 8 آلاف طن في الموسم الأخير، بعد أن تحوّلت الحقول إلى أراضٍ قاحلة تملؤها بقايا الصواريخ والعجلات العسكرية.
“كنا نبدأ الحصاد مع طلوع الشمس، نحمل الزيتون في سلال القش، ونغني لأرضنا.
اليوم أمرّ من أمام الحقل ولا أرى إلا الرماد. لا ظلّ، ولا أغصان، ولا رائحة زيتون. حتى الطيور هجرت المكان.” يقول مزارع من شرق خان يونس
صمت المعاصر
في الماضي، كانت مواسم الزيتون تُشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعي في غزة، وتؤمّن مصدر رزقٍ لآلاف الأسر. كانت المعاصر تدور ليل نهار، وتفيض الشوارع برائحة الزيت الطازج.
أما اليوم، فالكهرباء نادرة، والوقود شبه منعدم، والمعاصر إمّا مهدّمة أو متوقفة، والطرقات إلى الحقول محفوفة بالمخاطر.
وتؤكد تقارير دولية أنّ الحرب لم تدمّر فقط البنية الزراعية، بل أيضًا النسيج الاجتماعي المرتبط بها. فالحصاد في غزة لم يكن مجرد عمل موسمي، بل طقس اجتماعي وروحي، يتشارك فيه الكبار والصغار، النساء والرجال، في مشهدٍ يعبّر عن التعلّق بالأرض وذاكرة الصمود.
“كل شجرة زيتون في غزة لها اسم وذاكرة. بعضها زرعه الجد قبل خمسين عامًا. حين دُمّرت، كأن جزءًا من العائلة مات.” يقول مزارع من بيت حانون
أرقام الكارثة
تشير التقارير الزراعية في قطاع غزة إلى كارثة غير مسبوقة في قطاع الزيتون، أحد أقدم رموز الأرض والصمود الفلسطيني. فقبل الحرب، كانت المساحات المزروعة بالزيتون تمتد على نحو 44 ألف دونم (ما يعادل 4,400 هكتار) تغطي تلال القطاع وسهوله، وتنتج قرابة 35 ألف طن من الثمار سنويًا.
لكن بعد عامٍ واحد فقط من اندلاع الحرب، تقلصت هذه المساحات إلى 10 آلاف دونم، واليوم، وبعد مرور عامين، لم يتبقَّ سوى 4 آلاف دونم صالحة للزراعة. وتشير البيانات إلى أن أكثر من 75% من أشجار الزيتون قد دُمّرت بفعل القصف والتجريف، ما أدى إلى تراجع الإنتاج إلى أقل من 8 آلاف طن سنويًا، وانخفاض الإنتاج الزراعي العام في القطاع بنسبة تتجاوز 80%.
الخط الأصفر
ويمتد الشريط الشرقي لقطاع غزة، الذي يُعدّ الخزان الزراعي والحيواني الرئيس، على طول 65 كيلومترًا من رفح جنوبًا حتى بيت حانون شمالًا. ويضم النسبة الأكبر من الأراضي الزراعية ومزارع الماشية والدواجن.
وفق وزارة الزراعة، شكّلت هذه الأراضي نحو 45% من مساحة القطاع، أي ما يعادل 167 ألف دونم، منها:
78 ألف دونم للخضروات
14 ألف دونم للمحاصيل الحقلية
75 ألف دونم للبستنة الشجرية
كل ذلك قبل أن تتعرض لتدمير شبه كامل خلال الحرب الأخيرة.
اليوم، وبعد أن نصب الاحتلال سواتره الترابية فيما يُسمّى بـ"الخط الأصفر"، صادر فعليًا 45% من الأراضي الزراعية في الشريط الشرقي، مانعًا المزارعين من الوصول إليها.
هذا التموضع الجديد يعني تقليص مساحة غزة إلى النصف تقريبًا، وفرض قيودٍ عسكرية صارمة على الحركة في المنطقة الشرقية.
وكان وزير الحرب الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" قد هدّد بـ"استهداف أي شخص يقترب من الخط الأصفر"، في إشارة واضحة إلى نية الاحتلال تكريس واقع أمني دائم تحت غطاء الهدنة.
حصاد مفقود
لا يقتصر تقلّص موسم الحصاد على القصف والتجريف، بل يمتدّ إلى نتائج العدوان المتراكمة:
نقص المياه، انعدام الأسمدة، انقطاع الإمدادات الزراعية بسبب الحصار المستمر، إضافةً إلى استهداف القناصة لكل تحرّكٍ قرب الحدود.
تقرير صادر عن مؤسسة الأبحاث الفلسطينية (MAS) يشير إلى أنّ الإنتاج الزراعي في القطاع تراجع بأكثر من 80% خلال العامين الأخيرين، وأنّ الزيتون تحديدًا تضرّر بنسبة تفوق أي محصول آخر، نظرًا لامتداد حقوله في المناطق الشرقية الأكثر عرضة للقصف.
اليوم، لم تعد غزة تحتفل بموسم الزيتون، بل تنعاه. ولم تعد "المعصرة" تعجّ بالناس، بل بالصمت. ولم تعد الأغصان تمتدّ نحو السماء، بل نحو الأرض التي احتضنتها رمادًا.