قبل أيام، صرّح مصدر رسمي في وزارة الصحة بأن قوات الاحتلال تركت خلفها ألعابًا ملغومة بين أنقاض المنازل وفي مناطق النزوح، لتواصل الإبادة قتل أطفال غزة، رغم الحديث الكاذب عن وقفٍ لإطلاق النار.
جميلة بصلة واحدة من ضحايا هذه الكمائن؛ فبين خيام النزوح في مواصي خان يونس، حيث الغبار يختلط برائحة البارود، كانت الطفلة ذات العشر سنوات تركض بخفة بين الخيام، تحاول أن تستعيد شيئًا من طفولتها المسروقة.
رأت كيس “إندومي” مرميًا على الأرض، فتهللت ملامحها الصغيرة، كأنها وجدت وجبتها المفضلة بعد شهورٍ من الجوع.
التقطته بفرح، وما هي إلا لحظات حتى دوّى انفجار صغير، اهتزّت له الخيمة وتناثرت الدماء على التراب.
سقطت جميلة تصرخ، ويدها الصغيرة تهتز في الهواء. تهتكت أصابعها، وضاع أحدها في الرماد؛ ثم تحوّل حلم الطفلة بطعامٍ أو لعبة إلى حلمٍ آخر أبسط وأقسى.
“بدي إصبع” كلمة واحدة ترددها جميلة على مسامع كل سائل، تختصر حكاية جيلٍ كاملٍ خُطف من بين الدفاتر وألعاب الحارة، ووجد نفسه وسط موتٍ لا ينتهي.
تقول والدتها إن حياة ابنتها تغيّرت تمامًا بعد الحادثة، إذ أصبحت تعاني من نوبات إغماء متكرّرة وتأخّرٍ دراسي بسبب حالتها الصحية والنفسية.
وتوضح أن الأطباء لم يتوصلوا إلى تشخيص واضح لحالتها، فبين من يرى أن المشكلة في الأعصاب، ومن يرجعها إلى إصابة في العظام، تظل جميلة عالقة بين الألم الجسدي والكوابيس التي لا تفارقها.
تجلس جميلة الآن قرب أمها، لا تلعب كالسابق، لا تضحك كثيرًا، تنظر إلى الأطفال من بعيد، وتحاول أن تخفي يدها خلف ظهرها.
وحين تراها الأمهات في المخيم، يتهامسن بحرقة:“كانت تلعب.. كأن اللعب صار جريمة.”
جميلة ليست حالة نادرة، بل وجهٌ آخر من وجوه الطفولة المنهوبة في غزة، حيث تحوّل الحصار إلى فخٍّ يومي، والموت إلى احتمالٍ دائم، والطفولة إلى ذاكرةٍ قصيرةٍ ومؤلمة.
وهي ليست وحدها؛ فوفقًا لتقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، فإن أكثر من 50 ألف طفل في غزة قُتلوا أو جُرحوا منذ أكتوبر 2023، فيما أشارت منظمة Save the Children إلى أن نحو 15 طفلًا يوميًا يُصابون بإعاقات دائمة جراء القصف أو الذخائر غير المنفجرة.
وتحذّر تقارير رويترز ومنظمات نزع الألغام من أن غزة تحوّلت إلى حقلٍ واسع من الموت، إذ تُقدَّر فترة إزالة المتفجرات المتبقية بـ 30 عامًا على الأقل.
ويؤكد تقرير وكالة أسوشيتد برس (AP) أن العديد من الأطفال في غزة تعرّضوا لإصابات بالغة بعد أن ظنّوا أن القنابل الصغيرة المتروكة ألعابٌ لامعة، فاقتربوا منها لتنفجر بين أيديهم.
في الخيام، لا تزال جميلة تراقب الأطفال من بعيد، تخفي يدها خلف ظهرها كلما ضحكت، كأنها تحاول أن تُخفي الوجع.
لكن الحرب لم تنتهِ، والطفلة التي حلمت بـ"إندومي" لا تزال تبحث عن إصبعٍ، وعن طفولةٍ مسروقة.
مشهدٌ واحد من عشرات المشاهد لأطفالٍ تحوّلوا إلى مبتوري الأطراف والأحلام، ليظلّوا شاهدين على عالمٍ فقد إنسانيته، عالمٍ بات فيه الأكل والحلم واللعب وجوهًا مختلفة للموت في غزة.