قائمة الموقع

الاحتلال حَوّل أرض غزة إلى صحراء جوع: الزراعة ضحية الإبادة

2025-11-04T17:27:00+02:00
الرسالة نت - متابعة

منذ السابع من أكتوبر 2023، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي حربًا شاملة على قطاع غزة، لم تقتصر على البشر والمباني، بل امتدت لتدمير الزراعة ومصادر الغذاء، في ما وصفه الكاتب عبد التواب بركات بأنه "خطة تجويع ممنهجة" تهدف إلى تركيع سكان القطاع عبر الإبادة الاقتصادية والمعيشية.

ويقول بركات في مقاله المنشور في العربي الجديد إن الجيش الإسرائيلي دمّر خلال الأيام الثلاثة الأولى من الحرب 55% من مخزون القمح و75% من البيض وثلث الخضروات الطازجة، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، مضيفًا أن وزير الجيش السابق يوآف غالانت أعلن صراحة عن "سياسة التجويع" كجزء من خطة الحرب، ما يجعل الجريمة مقصودة ومعلنة.

تدمير ممنهج باعتراف إسرائيلي

ويستند الكاتب إلى تقرير حقوقي أصدرته جمعية مسلك الإسرائيلية بعنوان “الحرب على إنتاج الغذاء: قطاع الزراعة”، والذي أكد أن التدمير كان مقصودًا ومنهجيًا، لا نتيجة جانبية للعمليات العسكرية.
التقرير كشف أن جيش الاحتلال دمّر قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والمياه في غزة بشكل كامل، بهدف جعلها غير قابلة للحياة اقتصاديًا ودفع سكانها للاعتماد على المساعدات الإنسانية التي تتحكم "إسرائيل" في إدخالها وتوزيعها.

غزة قبل الحرب: اقتصاد زراعي نابض

قبل الحرب، كانت غزة تُعدّ من أكثر المناطق إنتاجًا للغذاء في فلسطين. فقد بلغت مساهمة الزراعة 11% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان 560 ألف شخص يعتمدون عليها لكسب رزقهم، سواء في الزراعة أو الصيد أو الثروة الحيوانية.
ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كانت مساحة الأراضي المزروعة تصل إلى 117 ألف دونم، وقيمة الإنتاج الزراعي عام 2022 بلغت 575 مليون دولار. 
كما صدّرت غزة منتجات زراعية إلى "إسرائيل" بقيمة 40 مليون دولار حتى سبتمبر 2023، ما يعكس قوة القطاع قبل تدميره الكامل.

منطقة عازلة تحوّلت إلى مقبرة للزراعة

ويشير بركات إلى أن الاحتلال فرض منذ سنوات منطقة عازلة بعرضٍ يتراوح بين 300 و1500 متر على طول الحدود الشرقية، ما حرم المزارعين من 10% من مساحة القطاع.
وخلال العدوان، دمّر الجيش الإسرائيلي 96% من الأراضي الزراعية، وجرّف البيوت البلاستيكية وآبار الري والبساتين، وأباد قطعان الأبقار والأغنام والدواجن وحتى خلايا النحل.

وبحسب مركز الميزان لحقوق الإنسان، شهدت الأعوام 2020-2022 أكثر من 2100 حادث إطلاق نار تجاه المزارعين والرعاة قرب السياج، ما أدى إلى مقتل وإصابة المئات. وهكذا، لم تعد المنطقة الشرقية سوى شريط ميت يُمنع الاقتراب منه تحت تهديد الرصاص.

الزيتون: ضحية إبادة ثقافية واقتصادية

ويعتبر الكاتب أن جريمة الاحتلال ضد شجرة الزيتون كانت أكثر من استهداف اقتصادي، بل محاولة لطمس الهوية الفلسطينية.
فقد جرف الجيش 90% من أشجار الزيتون، بينها 55 ألف شجرة مثمرة في مدينة غزة وحدها، بعضها يفوق عمر الكيان الإسرائيلي نفسه.
ودُمّرت 40 معصرة زيت بالكامل، باستثناء أربع تضررت جزئيًا، ما تسبب بارتفاع سعر تنكة الزيت من 200 شيكل قبل الحرب إلى 2000 شيكل اليوم.

ووفق تقديرات البنك الدولي (شباط/فبراير 2025)، بلغت خسائر الزراعة ملياري دولار، فيما قدّرها المكتب الحكومي الفلسطيني بـ 2.8 مليار دولار، مشيرًا إلى أن إعادة إحياء القطاع تحتاج 8.4 مليارات دولار على الأقل.

تدمير البيئة والتربة

ويؤكد بركات أن الاحتلال لم يكتفِ بتدمير الأراضي الزراعية، بل عمد إلى تلويث التربة والمياه.
فحتى مارس 2024، تسرب أكثر من 60 ألف متر مكعب من مياه الصرف الملوثة بالذخائر إلى الأرض والبحر، ما تسبب بتلوث بيئي واسع.
كما دمّر جيش الاحتلال كل مرافق معالجة المياه و55% من أنظمة الري الزراعي، فتراجعت إمكانية الوصول إلى المياه النظيفة إلى حدٍ خطير.

وأشارت بيت بيدول، نائبة المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، إلى أن الزراعة باتت ممكنة في 1.5% فقط من أراضي غزة، مؤكدة أن ما حدث يمثل "انهيارًا كاملًا لمنظومة الغذاء والحياة في القطاع".

مبيدات سامة وحرب بيئية

وكشف الكاتب أن الاحتلال لجأ إلى الرشّ الجوي بمبيدات أعشاب سامة لتدمير ما تبقّى من الحقول، بحجة "إزالة الغطاء النباتي لأسباب أمنية"، وهي ممارسات شبيهة بما فعله الجيش الأمريكي في فيتنام عندما استخدم “العامل البرتقالي”، وهو مبيد قاتل تسبب بموت مئات الآلاف وتشوه نصف مليون طفل.

وأشار إلى أن المبيدات الإسرائيلية تحتوي على مواد كيميائية مسرطنة تدمر التربة، وقد تؤدي إلى تسمم المحاصيل لسنوات قادمة.
وحملت جمعية مسلك "إسرائيل" المسؤولية القانونية والأخلاقية عن هذه الجرائم، ودعت إلى تعويض المزارعين الفلسطينيين عن خسائرهم وتلويث أراضيهم.

انهيار غذائي ومجاعة جماعية

وبحسب تقرير التصنيف المرحلي للأمن الغذائي (IPC)، غرقت غزة في المرحلة الخامسة من المجاعة الجماعية بعد أسابيع من منع دخول المواد الغذائية.
وبات السكان يعتمدون بالكامل على مساعدات محدودة تعيقها إسرائيل عمدًا، ما جعل الأمن الغذائي في القطاع ينهار بالكامل.

ويصف بركات المشهد بالقول: "لم يعد في غزة شجر ولا حجر، ولا مصدر للحياة. جيش الاحتلال دمّر الأرض ليجعل من التجويع سلاحًا آخر ضد الإنسان الفلسطيني".

جريمة إبادة بيئية وإنسانية

ويخلص الكاتب عبد التواب بركات إلى أن ما ارتكبته "إسرائيل" في قطاع غزة يمثل أوسع عملية إبادة زراعية وبيئية في التاريخ الحديث، تستهدف الإنسان والطبيعة معًا.
ويضيف: "من يدّعي الأخلاق دمّر شجر الزيتون، وسمّم الأرض، وقطع شرايين الحياة، ليحوّل غزة إلى صحراء من الجوع والخراب".

ويؤكد أن هذه الجرائم، التي وثّقتها منظمات إسرائيلية ودولية، تستوجب تحركًا قضائيًا دوليًا عاجلًا لإجبار "إسرائيل" على دفع التعويضات ومحاسبة المسؤولين عن تدمير المنظومة البيئية والغذائية في غزة.

اخبار ذات صلة