في وقتٍ باتت فيه الصورة أقوى من الرصاصة، تخوض “إسرائيل” حربًا جديدة لا تُستخدم فيها الطائرات ولا الدبابات، بل الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
الكاتب صهيب محمد في مقاله المنشور على عربي21، يكشف كيف انتقلت الدعاية الإسرائيلية — المعروفة بـ“الهاسبارا” — إلى مرحلة رقمية غير مسبوقة، هدفها إعادة هندسة وعي الجمهور العالمي وتزييف الحقيقة حول جرائم الاحتلال في غزة والضفة.
الحرب على الوعي
ويقول صهيب محمد إن “إسرائيل” لم تعد تراهن على الرصاص وحده، بل على “الكلمة والصورة” باعتبارهما السلاح الأقوى في عصر الإعلام الرقمي.
ويضيف أن رئيس وزراء الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وصف وسائل التواصل الاجتماعي بأنها “أقوى سلاح في ترسانة إسرائيل”، مشيرًا إلى صفقة شراء “تيك توك” التي اعتبرها “صفقة استراتيجية”.
ويضيف أن “الحروب الحديثة تُخاض في أذهان الجماهير وعلى شاشات الهواتف الذكية”، من هنا، طوّرت “إسرائيل” مشروعًا متكاملًا لتسخير الذكاء الاصطناعي في الحرب النفسية والإعلامية، من خلال دمج التقنية مع منظومة الهاسبارا التي طالما شكلت ركيزة دعايتها السياسية.
ملايين الدولارات لتلميع الصورة
وبحسب الكاتب، كشفت تقارير أمريكية أن حكومة الاحتلال وقّعت عقدًا بقيمة ستة ملايين دولار مع شركة ناشئة تُدعى Clock Tower X LLC، لإنتاج محتوى رقمي موجه لجيل “زد” على منصات مثل تيك توك ويوتيوب وإنستغرام.
الهدف: الوصول إلى خمسين مليون مشاهدة شهريًا لترويج رواية الاحتلال وتشويه المقاومة الفلسطينية والمجتمع العربي والإسلامي.
ويؤكد صهيب محمد أن هذه الحملة جاءت بعد تراجع التأييد الشعبي لـ"إسرائيل" في الغرب، خصوصًا بين الشباب الأمريكيين والأوروبيين الذين باتوا يرونها “دولة فصل عنصري تمارس الإبادة”.
ذكاء اصطناعي يصنع الحقيقة المزيفة
الخطير، وفق الكاتب، أن المشروع لا يقتصر على المحتوى، بل يتجاوز إلى تغذية الذكاء الاصطناعي نفسه بمعلومات منحازة.
فالشركة الإسرائيلية تخطط لإنشاء مواقع ومنصات رقمية هدفها “تغذية نماذج توليد النصوص مثل GPT بمحتوى مؤيد لإسرائيل”، لتصبح الآلة نفسها جزءًا من ماكينة التضليل.
كما يجري استخدام منصة MarketBrew AI — أداة لتحسين نتائج البحث — لضمان تصدّر الرواية الإسرائيلية لمحركات البحث العالمية، في ما يشبه “احتلالًا رقميا” يشبه احتلال الأرض.
تحالف المال والدين والسياسة والإعلام
ويشير الكاتب إلى أن شبكة النفوذ تمتد عبر الإعلام الأمريكي المحافظ، خصوصًا شبكة Salem Media المقربة من الرئيس السابق دونالد ترامب، ويقود الحملة براد بارسكيل، مدير حملة ترامب السابقة، والمتورط في فضيحة Cambridge Analytica التي استخدمت بيانات المستخدمين للتلاعب بالرأي العام.
ويقول صهيب محمد إن المشروع يُسوّق على أنه “حملة ضد معاداة السامية”، لكنه في الواقع “محاولة لإعادة تأهيل صورة إسرائيل بعد جرائم غزة، وإعادة رسم وعي الأمريكيين تجاهها”.
الذكاء الاصطناعي كسلاح للقمع
وينتقل الكاتب من الجانب الدعائي إلى الجانب الأمني، موضحًا أن “إسرائيل” تستخدم الذكاء الاصطناعي أيضًا كأداة مراقبة وقمع ضد الفلسطينيين.
فقد وثّقت تقارير اعتقال شاب فلسطيني لمجرد محادثته مع برنامج “ChatGPT”، واحتجازه لعام كامل من دون توجيه تهمة.
“هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة معرفة إلى أداة اتهام في يد سلطة أمنية”، يكتب صهيب محمد، مشيرًا إلى أن هذا الاستخدام يُكمل “دائرة القمع الرقمي” التي تطال الفلسطينيين.
هاسبارا رقمية بإشراف حكومي مباشر
ومنذ تأسيسها، استخدمت “الهاسبارا” الإسرائيلية مبدأ “تجميل الجرائم وتبرير الاحتلال”.
لكن الكاتب يوضح أن هذه الآلة تطورت لتصبح نظامًا رقميًا متكاملًا يضم وزارات الخارجية والإعلام والسياحة ومكتب رئيس الوزراء، ويعمل على إنتاج محتوى ترفيهي وسياسي يستهدف اللاوعي الجماعي، عبر ما يُعرف بـ“إدارة الإدراك” أو Perception Management.
وتهدف هذه المنظومة إلى تقديم “إسرائيل” كدولة “حديثة وديمقراطية”، بينما تُخفي خلف الشاشات واقع الاحتلال والقتل الجماعي والحصار.
جيل الوعي الرقمي: العقبة الأكبر
ورغم ضخ الأموال الضخم، يعترف الكاتب بأن “إسرائيل” تواجه جيلًا جديدًا لا تنطلي عليه الأكاذيب.
فالشباب الغربيون باتوا يعتمدون على المحتوى الميداني والصحفيين المستقلين، لا على الإعلام الرسمي، وقد أثبتت استطلاعات الرأي أن دعم "إسرائيل" بين الأمريكيين الشباب انخفض إلى 9% فقط.
معركة الحقيقة لا تُحسم بالخوارزميات
ويختتم صهيب محمد مقاله بالتأكيد أن ما تقوم به "إسرائيل" ليس دعاية سياسية عادية، بل حرب على الحقيقة نفسها.
وحين تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتزييف الوعي، يصبح الدفاع عن الحقيقة “عملاً من أعمال المقاومة”.
ويكتب: “الكيان يخشى الوعي لا السلاح؛ فخوفه الحقيقي ليس من الصواريخ، بل من جيلٍ يرى الحقيقة رغم كل ما يُنفق لإخفائها.”
ويختم بالقول إن “مهما بلغ ذكاء الخوارزميات، فلن تستطيع محو صوت طفلٍ يبحث عن عائلته تحت الركام، ولا صورة مدينةٍ تحترق وهي تصرخ بالحقيقة”.