يقولون إن الحرب انتهت.؛ لكن غزة تعرف الحقيقة أكثر من نشرات الأخبار.
تعرف أن الحرب لا تنتهي حين يُعلن عنها، بل حين تتوقف الطائرات عن الدوران فوق سمائها الممزقة، وحين لا يعود الأطفال يختبئون في حضن الركام كل مساء.
وغزة، منذ أن أُعلن عن وقف إطلاق النار في الحادي عشر من أكتوبر، لم تعرف يومًا واحدًا بلا قصف، بلا شهيد، بلا بيتٍ يُنسف، أو حلمٍ يُنتشل من تحت الردم.
منذ لحظة “التهدئة”، ارتقى أكثر من 240 شهيدًا، آخرهم أربعة شهداء اليوم، بينهم من استُهدف بطائرةٍ مسيّرة، ومن قُتل بزعم تجاوزه “الخط الأصفر”، ومن بقي أيامًا تحت الركام حتى أخرجه المسعفون جثةً يكسوها الغبار.
وفي المستشفيات، سبعة جرحى آخرين يقفون بين الحياة والموت، يملكون من الصبر ما يكفي لوصف غزة نفسها.
يُروّج الاحتلال لما يسميه “وقف إطلاق النار”، لكنه وقفٌ على الورق فقط.
فالصواريخ ما زالت تُطارد أنفاس الناس، والمدافع لم تصمت، بل غيّرت إيقاعها فقط، لتبدو الحرب وكأنها تستريح قبل أن تبدأ من جديد.
القصف مستمر، والدمار يتجدد، والموت يسير ببطءٍ أكثر، كمن يتأنّى في عدّ ضحاياه.
في الأحياء الشرقية من مدينة غزة، ارتجّت الأرض مجددًا اليوم، حين قصفت الطائرات منازل في حي الشعف، ودوّى الانفجار حتى البحر.
وفي خانيونس، عادت الطائرات لتنسف بيوتًا كانت بالكاد قد أعادت نصب خيامها بعد الحرب السابقة.؛ ويبدو أن الخرائط نفسها صارت تعرف مواقع القبور أكثر من مواقع البيوت.
غزة الآن ليست في “وقف إطلاق نار”، بل في فترةٍ انتقالية بين حربين.
السماء فيها تُراقب الناس لا لتحميهم، بل لتختار من يسقط أولًا وحتى الضوء صار يخاف أن يعبر الشوارع كي لا يُفسَّر على أنه “تحرك مشبوه”.
أما الليل، فصار أطول من قدرة القلب على الاحتمال.
تقول وزارة الصحة إن أكثر من 68,872 شهيدًا سقطوا منذ بدء الإبادة في أكتوبر 2023، وإن 511 جثمانًا ما زالوا يُنتشلون تباعًا من تحت الركام.
لكن الأرقام، مهما تضخّمت، لا تصف شيئًا من حقيقة هذا الموت الجماعي الذي صار لغة غزة اليومية؛ فكل رقمٍ هنا وجه، وكل اسمٍ قصة، وكل شهيدٍ حكاية لم تُكمل جملتها الأخيرة.
تحت هذا الركام، هناك بيتٌ كان يحتفظ بصوت ضحكة، وصورةٍ على الحائط، وكسرة خبزٍ خبّأتها أمٌ لطفلها خوفًا من الجوع القادم.
تحت الركام أيضًا، هناك كتابٌ مفتوح لم يكمل صاحبه القراءة، وفنجان قهوةٍ ما زال على الطاولة ينتظر صباحًا لم يأتِ.
أما العالم، فيبدو منشغلًا بتقارير “الالتزام بالهدنة”، وبجدلٍ باردٍ عن “الخروقات المتبادلة”، بينما غزة وحدها تسمع صدى الانفجارات في صدرها.
يتحدثون عن المساعدات التي تدخل، لكنها لا تكفي إلا لـ30% من الاحتياجات، كما قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية.
ما يدخل من الغذاء لا يشبع الجوع، وما يصل من الدواء لا يكفي لإنقاذ الجرحى الذين يتكاثرون كل ساعة.؛ وحتى “الأمل” يحتاج تصريح مرورٍ ليصل إلى غزة، وغالبًا يُعاد عند الحواجز والمعابر وعلى حدود الخط الأصفر.
ورغم كل هذا، لا تموت المدينة.
غزة لا تعرف الموت الكامل، لأنها اعتادت أن تنهض من رمادها لتعيد تعريف البقاء؛ وتقفز لتُرمّم صوتها كلما حاولت الحرب أن تُخرسها، وتُعيد ترتيب أنفاسها لتقول للعالم:
"هذا ليس وقف إطلاق نار، هذا اختبارٌ جديدٌ لمدى قدرتنا على الحياة."