بصوتٍ مبحوح تغلّفه الحسرة، وقف الشاب الغزي محمد شرف أمام ما كان يومًا منزله في حيّ اليرموك وسط مدينة غزة، يتأمل أكوام الإسمنت والحجارة التي دفنت تحتها أسرته كاملة.
ينظر الشاب شرف إلى الركام الذي يحتضن جثامين أحبّته في أبشع مجزرة ارتكبها الاحتلال بحق المدنيين، ويقول بصوتٍ مرتجف لـ"الرسالة":، "كل ما بدي إياه وبتمناه، أدفن أطفالي وأهلي بإيدي، علشان أحفظ كرامتهم وما يظلوا تحت الركام."
كلمات محمد خرجت كأنها صدى لآهات آلاف الغزيين الذين ما زالوا ينتظرون أن تُرفع الأنقاض عن بقايا بيوتهم، علّهم يجدون أثرًا لعائلاتهم أو ما يدلّ على حياةٍ كانت هنا.
ويتحدث محمد، وفي عينيه أملٌ خافت يمتزج بالحزن، مرددًا:، "إن شاء الله يدخلوا المعدات والآلات المخصصة لرفع الأنقاض حتى نقدر نطلع أولادنا وأحبابنا من تحت الركام".
قصة محمد شرف ليست حكاية فردٍ واحد، بل حكاية مدينةٍ كاملة دُفنت تحت الرماد، حيث ينتظر آلاف الفلسطينيين أن تُسمع أصوات المعدات وهي تزيل الركام، علّهم يعيدون لأحبّتهم حقّ الوداع وكرامة الدفن.
وأما الشاب طارق جابر، فيقول لـ"الرسالة" بصوتٍ موجوع:، "أمنيتي؟ أن ينسحب الاحتلال ويسمح لنا بدخول محيط مستشفى العودة شمال غزة لنبحث عن جثمان شقيقي، الذي فقد أثره بعد القصف العنيف الذي سبق توغل المنطقة واحتلالها ضمن ما عُرف بعملية جدعون، وهناك اختفى بين الركام وبين صرخات الناس".
طارق يحتفظ بصورة شقيقه خميس خلفيةً لهاتفه، وكأنه يحاول إبقاءها يقظةً من نسيان العالم، ثم يرفع صوته بنداءٍ إلى المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية:، "أرسلوا فرقًا مختصة، أرسلوا خبراء للبحث والكشف عن مصير المفقودين، سواء من فقدوا أثناء القصف أو العائلات التي مسحت من السجل المدني وبقيت مدفونة تحت أنقاض بيوتها'.
ويتابع بعينين تملؤهما المرارة:، "قلبي موجوع، نريد أن نعرف مصير أحبتنا، ونريد تسريع إدخال المعدات لرفع الأنقاض وإخراج الجثامين.. ليش جثث (الإسرائيليين) إلها أولوية أكثر من عائلاتنا؟!"
ثم يوجّه طارق لومًا حادًا إلى الوسطاء والمفاوضين:، "ما في وقت للتأخير. على كل الوسطاء أن يضغطوا على الاحتلال فورًا للسماح بدخول الفرق الدولية. فدماؤنا ما لازم تُقاس بمعايير سياسية.. إحنا بشر، ولنا الحق ندفن أهلنا بكرامة".
صوت طارق يمتزج بين الرجاء والغضب، وهو يقف قبالة أنقاض مدينةٍ لا تزال تبحث عن أبنائها وتنادي بنداءٍ واحد، بسيط ومؤلم في آنٍ معًا "أعيدوا لنا حرية الوداع وكرامة الدفن".
ولا يزال الشاب طارق جابر يسعى للوصول لجثمان شقيقه خميس، الذي لم يتجاوز عمره الـ42 عامًا، وكان متزوجًا وله ثمانية أبناء، انقطع الاتصال به بعد توغل الاحتلال شمال قطاع غزة، حيث تعرضت المدينة لوابل كثيف من الصواريخ والقنابل في ما يُعرف بـ"الأحزمة النارية"، التي أحرقت البشر والحجر في جريمةٍ موثقة ارتكبها الاحتلال أمام أنظار العالم المتواطئ، الذي ما زال يتعامل بازدواجيةٍ فاضحة مع غزة، منحازًا للقاتل ضد الضحية.
وفي الركن الآخر من المعاناة، جلست الحاجة أم أحمد العطار من بيت لاهيا على ركام أحد المنازل، وقد أنهكها البكاء، وجهها المغبّر بالشمس والدموع يروي حكاية أمٍ فقدت كل شيء.
وتشير الحاجة أم أحمد بيديها نحو مدينتها التي لم تعد تراها إلا من بعيد بعد أن محاها القصف، وتقول بصوتٍ متقطع لـ"الرسالة":، "بدي أدفن أولادي وزوجاتهم وأحفادي، ما بنام الليل، ما بنذوق طعم النوم، بس بدي يندفنوا بكرامة متل كل البشر".
وتتوقف أم أحمد لحظةً تحدّق في الركام بصمتٍ طويل، ثم تكمل بانكسارٍ عميق:، "كل يوم بمرّ وأنا سامعة أصواتهم بقلبي، يمكن لسه تحت التراب، يمكن خلاص راحوا، بس ما بدي يضلوا هيك، تحت الركام متروكين، كأنهم ما كانوا".
وترفع رأسها نحو السماء، وتصرخ بحرقةٍ ودموعها تسبق كلماتها:، "وين الإنسانية الدولية؟ وين العالم؟ وين العرب؟ حتى ولادنا مش قادرين ندفنهم! والله حرام اللي بصير فينا، حرام هالوجع اللي ساكتين عليه."
ثم تهمس بصوتٍ خافت:، "يا رب، نفسي أشوف وجوههم، أضمهم وأرتاح، نفسي يعرفوا إنهم مش منسيين. يمكن احنا عايشين تحت الركام، بس لسه فينا أمل.. أمل إنهم يسمعونا ويدخلوا المعدات حتى نودّع أولادنا زي الناس".
هذه الشهادات ليست مجرد حكاياتٍ فردية، بل صورة مكثفة لمأساة غزة التي تحولت إلى مقبرة جماعية صامتة، حيث آلاف العائلات لا تزال تبحث عن جثامين أحبّتها بين الركام، وتنتظر لحظةً تسمح لها أن تودّعهم كما يليق بالكرامة الإنسانية.
ففي غزة، لم تعد الحرب تقتل فقط، بل تترك خلفها وجعًا متجدّدًا كل يوم، وجع الأمهات والآباء والإخوة الذين يعيشون بين الحنين والأمل، وبين أنقاضٍ ما زالت تنزف، ومع كل نداءٍ يُرفع، تبقى الرسالة واحدة: "ارفعوا الركام.. ودعونا ندفن شهداءنا بكرامة".