قائمة الموقع

جمع الحطب في غزة.. طريق آخر للموت

2025-11-08T17:46:00+02:00
جمع الحطب في غزة.. طريق آخر للموت
الرسالة نت- خاص

في شوارعٍ غزّيةٍ أنهكها البرد والجوع، لم يعد صوت الرصاص وحده ما يملأ السماء، بل صرير العربات التي تجرّها الأيدي بحثًا عن خشبٍ يابس يُشعل رمق الحياة. لم تعد رائحة الخبز تنبعث من البيوت، بل دخان البلاستيك والملابس القديمة، في مشهدٍ يُختصر فيه معنى الحصار.

منذ انقطاع غاز الطهي والوقود، تحوّل الحطب إلى موردٍ استراتيجي في قطاع غزة، وإلى "نفط الفقراء" كما يسميه الناس ساخرين من وجعهم. العائلات التي كانت تطهو على الغاز أصبحت اليوم تبحث في الركام عن بقايا الأبواب والنوافذ المكسورة، تقطعها وتجمعها لتكوّن كومة صغيرة من الأمل.

تقول أم مهند، وهي نازحة من حيّ الشجاعية، بينما تجمع ما تبقى من أخشاب محترقة: "كنا نحرق الخشب أولاً، ثم الأثاث القديم، والآن نحرق الكرتون والبلاستيك. كل شيء في غزة صار يُحرق، حتى الصبر."

هذا اللهيب الذي يشتعل كل مساء في المخيمات لا يدفئ أحدًا، بل يذكّرهم بالحصار الطويل الممتد منذ أكثر من 18 عامًا، والذي حوّل أبسط وسائل العيش إلى معركةٍ يومية.

بحسب تقارير اقتصادية، ارتفعت أسعار الحطب في غزة بنسبة 1500% منذ اندلاع الحرب الأخيرة، إذ وصل سعر الكيلو الواحد إلى 7–10 شواكل، بينما تحتاج العائلة إلى نحو 5 كيلوغرامات يوميًا للطهي فقط. ومع ندرة الأخشاب الطبيعية في القطاع المحاصر، ظهرت أسواق صغيرة للحطب المصنوع من بقايا الأثاث والمنازل المهدّمة.

في سوق النصيرات، يقول أحد الباعة:

"كنا نبيع الكيلو بشيكل واحد، واليوم صار بعشرة، وأحيانًا ما بنلاقي. الناس تدور على أي شيء يحترق."

ولأن الحطب أصبح كنزًا، صار الخروج لجمعه مغامرة محفوفة بالمخاطر. شبّان وأطفال يسيرون كيلومترات طويلة نحو الأطراف الزراعية أو بين أنقاض البيوت، يجمعون ما تيسّر من الأعمدة المحروقة أو الأغصان اليابسة. بعضهم لم يعد، فقد استهدفتهم نيران الاحتلال في المناطق القريبة من الحدود.

تُقدّر منظمات حقوقية أن نحو 90% من سكان غزة يعتمدون الآن على وسائل بديلة للطهي والتدفئة، منها الحطب والكرتون والبلاستيك. هذه البدائل خلّفت أضرارًا صحية كبيرة بسبب انبعاث الدخان والغازات السامة، خصوصًا داخل الخيام والمساكن المغلقة.

في الليل، تشتعل نيران صغيرة أمام الخيام في مخيم دير البلح، تحيط بها عائلات تتناوب على قدرٍ واحد. الأطفال يتزاحمون حول الدفء الهشّ، بينما الأمهات يراقبن النار التي تأكل الخشب ببطء وكأنها تلتهم أيامهن.

هكذا يعيش الغزيون وجهًا جديدًا من وجوه الحصار، وجهًا لا يُرى في نشرات الأخبار، لكنه يلتصق بالدخان الذي يعلو من بين الأنقاض. فبين رماد البيوت ولهيب الحاجة، صار جمع الحطب طقسًا يوميًا للبقاء، ومعركةً أخرى يخوضها الفلسطينيون كي لا تنطفئ نار الحياة.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00