يحكي الأسير يوسف الزهور، المفرج عنه من سجون الاحتلال، عن الأيام التي تلت 7 أكتوبر، أيام لم يكن فيها مجرد الظلام والبرد، بل حرب كاملة داخل الأقسام في معتقلات الاحتلال.
يقول في شهادته: "كان الأسرى يُجردون من كل مقتنياتهم الشخصية، من الأدوات الكهربائية إلى مواد التنظيف، وكأنهم أرقام بلا حياة. الطعام غالبًا ما كان مخلوطًا أو فاسدًا عمدًا، بينما الكهرباء مقطوعة في كل زاوية، والعتمة والبرد يخيمان على الزنازين بلا رحمة."
ولهول ما يحدث بعيدًا عن الأعين، يتذكر يوسف كلمات ضباط السجن التي لم تكن مجرد تهديد: "المرحلة القادمة أصعب… الله يعينكم." كانت هذه الجملة بمثابة بداية مرحلة جديدة من القمع المنهجي. فالاقتحامات الفجرية نفذتها وحدات "النحشون" و"المتسادة"، حيث كانوا يُسحبون الأسرى من أسرتهم مكبّلي الأيدي ومرتدون ملابس النوم، وتُصادر جميع أغراضهم الشخصية.
ويضيف: "التفتيش الجسدي كان مهينًا إلى أبعد الحدود، شمل مجندات ووصل إلى مناطق حساسة، ليزيد من الإحباط والخوف بين الأسرى."
ومع مرور الأيام، تصاعدت أدوات التعذيب. لأول مرة استخدمت القنابل الصوتية داخل الأقسام، ما أدى إلى حالات اختناق وإغماء، وأصبح الضرب الجماعي أثناء النقل والتحقيق أمرًا يوميًا، وكان الأسرى يُجبرون على أوضاع مهينة.
يروي يوسف مشاهد مروعة في زنازين المسكوبية: أسرى مصابون بكسور وجروح مفتوحة، وآخرون أُجبروا على الرقص عراة على موسيقى عبرية، في مشهد يصعب نسيانه.
ولم يتوقف القمع عند العنف الجسدي، بل شمل حرمان الأسرى من أبسط الحقوق المعيشية. الأغطية والفرش كانت ممنوعة، والبرد القارس أجبر بعض الأسرى على النوم مشاركة غطاء واحد بين اثنين. حتى أدوات النظافة الأساسية، مثل فرشاة الأسنان، كانت محرّمة، وكأن الهدف هو إلغاء أي شعور بالإنسانية داخل الزنازين.
يوسف يروي كل هذه التفاصيل بصوت هادئ، لكن كل كلمة منه تحمل صرخات مكتومة عن معاناة يومية مستمرة. القمع لم يكن عشوائيًا، بل منهجي ومقصود، مرحلة تعذيب مصممة لكسر الروح قبل الجسد. في كل زاوية من السجن، كل سرير، كل زنزانة، وكل وجبة، هناك أثر واضح لما يمكن أن يُسمّى حربًا داخلية ضد النفس البشرية.
القصة التي يرويها يوسف ليست مجرد شهادة، بل نافذة إلى عالم لا يرى النور إلا نادرًا. كل تفاصيله، من التجريد إلى الاقتحامات، من القنابل الصوتية إلى النوم المشترك، ترسم صورة قاتمة عن الحياة خلف الأسوار، حيث كل يوم هو اختبار للبقاء، وكل لحظة تحمل سؤالًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته وسط هذا العبث الممنهج؟