غزة بعد شهر على وقف النار: الحصار باقٍ والاقتصاد ينهار

غزة بعد شهر على وقف النار: الحصار باقٍ والاقتصاد ينهار
غزة بعد شهر على وقف النار: الحصار باقٍ والاقتصاد ينهار

الرسالة نت- خاص

بعد مرور أكثر من شهر على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لم تشهد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية أي تحسن يذكر، بل استمرت مظاهر التدهور في مختلف القطاعات الحيوية.

فما زال القطاع يعيش حالة شلل شبه تام بفعل القيود الإسرائيلية المشددة على إدخال البضائع والوقود، وسط غياب برامج الإعمار الفعلية، وتراجع النشاط التجاري إلى أدنى مستوياته منذ سنوات.

وبينما كان ينتظر أن يشكل وقف النار بوابة نحو التعافي، تكشف المؤشرات الرسمية أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تماما.

وعود من سراب

ورغم الوعود الدولية بتكثيف المساعدات الإنسانية وتسهيل حركة التجارة عبر المعابر، إلا أن الأرقام الصادرة عن المؤسسات المحلية والدولية تظهر أن نسبة الالتزام ببنود الاتفاق لم تتجاوز 25%، ما يعني أن مظاهر الحصار لا تزال قائمة بصيغ جديدة، تجعل الاقتصاد الغزّي في حالة "تعويم قسري" بين البقاء والانهيار.

ومع استمرار غياب التيار الكهربائي وندرة الوقود وارتفاع أسعار المواد الأساسية بنسبة تتراوح بين 120 و300%، يعيش السكان واقعا اقتصاديا قاسيا يهدد بتفجّر أزمات اجتماعية جديدة.

وفي الوقت الذي لم تلتزم فيه إسرائيل بإدخال الكميات المتفق عليها من الشاحنات التجارية والإغاثية، يعاني المواطنون من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن توقف عجلة الإنتاج المحلي وتآكل رأس المال التشغيلي للتجار وغياب النقد الأجنبي، كلها مؤشرات على أن غزة ما بعد الحرب لا تختلف كثيرا عمّا قبلها، سوى بزيادة حجم الدمار وتعقيد فرص التعافي.

بدوره، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن الاحتلال يواصل سياسة الخنق في إدخال المساعدات إلى القطاع، إذ لم يتجاوز إجمالي الشاحنات التي دخلت منذ بدء وقف إطلاق النار 4453 شاحنة من أصل 15600 شاحنة كان يفترض دخولها حتى مساء السادس من نوفمبر 2025، أي بنسبة لا تتجاوز 28%.

وقال المكتب في بيان إن هذه الشحنات شملت 31 شاحنة من غاز الطهي و84 شاحنة سولار مخصصة لتشغيل المخابز والمستشفيات والمولدات والقطاعات الحيوية، رغم النقص الشديد في هذه المواد الأساسية للحياة اليومية بعد عامين من الحصار والتدمير الواسع الذي خلفه الاحتلال.

وذكر البيان أن متوسط الشاحنات التي يسمح الاحتلال بدخولها يوميا تبلغ 171 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة منصوص عليها في البروتوكول الإنساني، ما يؤكد استمرار سياسة التضييق والتجويع بحق أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في القطاع.

وأضاف: "الاحتلال يحرم الغزيين من أكثر من 350 صنفا من المواد الغذائية الأساسية، بينها البيض واللحوم والأسماك والأجبان ومشتقات الألبان والخضروات والمكملات الغذائية، إضافة إلى أصناف ضرورية للحوامل والمرضى وذوي المناعة الضعيفة، فيما يسمح بدخول سلع منخفضة القيمة الغذائية مثل المشروبات الغازية والشوكولاتة والشيبس التي تصل بأسعار مرتفعة تتجاوز قيمتها الحقيقية بأكثر من 15 ضعفا نتيجة تحكم الاحتلال بسلاسل الإمداد".

وجدد المكتب الإعلامي تأكيده على جاهزية الجهات الحكومية في غزة لتسهيل وتنسيق إدخال وتوزيع المساعدات بالتعاون مع المنظمات الأممية والعربية والدولية لضمان وصولها إلى جميع المحافظات والمرافق الحيوية وخدمة الغزيين.

ظروف مهلكة

في حين، أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن إسرائيل تواصل بعد شهر من وقف النار فرض ظروف معيشية "مهلكة" على سكان غزة، وتمنع التعافي من الكارثة الإنسانية الممتدة منذ أكثر من عامين.

وقال المرصد في تقرير صدر عنه، إن الحصار الشامل وحرمان السكان من الوقود والمواد الغذائية والأدوية يعيد إنتاج مظاهر الحرب ولكن بأدوات غير عسكرية.

وأضاف: "ثمانية فلسطينيين يقتلون يوميا رغم اتفاق وقف إطلاق النار، بينما يمنع آلاف الجرحى من تلقي العلاج خارج القطاع، وتتعطل مئات المشاريع الإغاثية والتنموية بسبب القيود المفروضة على الحركة والتوريد".

كما بيّن أن الجيش الإسرائيلي ما زال يستهدف المناطق الشرقية من مدينتي غزة وخان يونس بالقصف المتقطع، ما يمنع عودة آلاف النازحين إلى منازلهم ويؤخر جهود إعادة الإعمار.

ويرى محللون اقتصاديون أن هذه السياسات تعكس محاولة ممنهجة لإبقاء غزة رهينة للحصار الاقتصادي عبر أدوات "ناعمة"، أبرزها التحكم في تدفق البضائع والوقود وإعاقة النشاط التجاري وتحويل السكان إلى معتمدين كليا على المساعدات الدولية.

ووفق بيانات الغرف التجارية، فإن نسبة البطالة تجاوزت 80%، فيما انخفض متوسط الدخل الشهري إلى 80 دولارا فقط، وهو الأدنى منذ عام 2007.

اقتصاد منهار 

وتؤكد الوقائع الميدانية أن وقف إطلاق النار لم يحقق أي انتقال نحو الاستقرار الاقتصادي، بل ثبّت حالة الجمود القائمة، فالأسواق ما تزال شبه خالية من السلع المستوردة، والقطاع الخاص يعاني من عجز حاد في السيولة النقدية، في ظل توقف الأنشطة المصرفية وضعف القدرة على إجراء التحويلات المالية الخارجية.

ويقدر اقتصاديون حجم الخسائر اليومية المباشرة للقطاع بنحو 4.5 ملايين دولار نتيجة توقف الإنتاج وتراجع الحركة التجارية.

كما يحذّر الاقتصاديون من أن استمرار الوضع الراهن قد يدفع نحو "انهيار اقتصادي متدرج" يتجاوز آثاره حدود المعاناة الإنسانية، إذ تتآكل البنية المالية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتتعاظم الديون غير المسددة داخل السوق المحلي.

كما أن ارتفاع الأسعار وتراجع المخزون الغذائي يهددان الأمن الغذائي لأكثر من 75% من الأسر، فيما يعتمد 95% من السكان على المساعدات المباشرة للبقاء.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير