في خطوة مثيرة للجدل، صادق الكنيست الإسرائيلي صباح اليوم الاثنين بالقراءة الأولى على مشروع قانون يسمح بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات ضد إسرائيليين، في ظل تصاعد الحرب على غزة وتنامي الخطاب اليميني المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية.
القانون الذي تقدّم به حزب "القوة اليهودية" بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يقترح تعديل المادة 301أ من قانون العقوبات الإسرائيلي لعام 1977 بحيث يُحكم بالإعدام على كل من يُتّهم بقتل إسرائيلي بدافع “عدائي أو قومي”، دون أي إمكانية لتخفيف الحكم أو العفو عنه.
ويتيح المشروع للمحاكم العسكرية في الضفة الغربية إصدار أحكام بالإعدام بأغلبية القضاة فقط، دون الحاجة إلى إجماع، وهو ما يراه مراقبون توسيعًا غير مسبوق لصلاحيات الجيش في تطبيق الإعدام بحق الفلسطينيين.
وقال بن غفير عقب المصادقة على المشروع:" ليعلم كل إرهابي يخرج ليقتل أن الحكم الوحيد الذي ينتظره هو الإعدام. لقد حان الوقت لتحقيق العدالة ومنع أي تساهل مع من يقتلون اليهود".
ويأتي المشروع ضمن حملة تشريعية يقودها بن غفير وحزبه لتعزيز سياسات القمع والعقاب الجماعي، إذ تسعى الحكومة اليمينية إلى ما تسميه "الردع الصارم" بعد فشلها في تحقيق أهدافها العسكرية في غزة، بينما يرى محللون أن الخطوة تعكس محاولة للهروب من الأزمات السياسية الداخلية واسترضاء القاعدة اليمينية المتطرفة.
انقسام داخل الائتلاف الحاكم
غير أن المشروع لم يلق إجماعًا داخل الائتلاف الحكومي نفسه. فقد أمر زعيم الحركة الليتوانية الأرثوذكسية المتشددة، الحاخام دوف لاندو، أعضاء الكنيست من حركة “ديغل هتوراه” الحريدية بالتصويت ضده، في موقف نادر يعكس اتساع الشرخ بين الأحزاب الدينية واليمين القومي المتطرف.
ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصدر مقرب من الحاخام قوله إن معارضته تنبع من “الخوف من قانون الاضطهاد”، مضيفًا أن لاندو يرى أن "إقرار مثل هذا القانون قد يؤدي إلى سفك دماء، لأن العرب سيعتبرونه خطوة استفزازية قد تفضي إلى أعمال عنف واسعة".
وذكرت صحيفة يسرائيل هيوم أن الحاخام وجّه نوابه إلى رفض التصويت، معتبرًا أن مشروع الإعدام “يتعارض مع الموقف الأخلاقي والديني للحركة الحريدية”.
ويأتي هذا الموقف في وقت تتعمّق فيه الخلافات داخل الائتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو، خاصة حول “قانون التجنيد” الذي يمنح إعفاءات للشبان الحريديم من الخدمة العسكرية، ما يجعل مشروع الإعدام ساحة جديدة للصراع السياسي بين الحلفاء.
إدانات فلسطينية وتحذيرات حقوقية
في المقابل، أدانت حركة حماس المصادقة على المشروع، واعتبرته “تجسيدًا للوجه الفاشي للاحتلال ومواصلة لانتهاكاته الجسيمة للقوانين الدولية، ولاسيما اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بالأسرى".
وقالت الحركة في بيانها إن إقرار مثل هذا القانون “يعكس نهج الاحتلال المارق الذي يضرب بعرض الحائط كل الأعراف والمواثيق الدولية”، داعية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف “هذه الجريمة الوحشية”.
كما حذر مكتب إعلام الأسرى من أن تمرير المشروع سيشكل “جريمة حرب خطيرة”، مشيرًا إلى أن إسرائيل “لا تحتاج لقانون جديد لتنفيذ الإعدامات، فهي تمارسها يوميًا ميدانيًا ضد الفلسطينيين دون محاسبة”.
أبعاد سياسية وانتخابية
ويرى محللون أن المشروع يحمل أبعادًا سياسية وانتخابية واضحة، ويقول المحلل السياسي محمد هلسة إن بن غفير “يسعى من خلال القانون إلى تعزيز شعبيته في أوساط اليمين المتطرف وتقديم نفسه كرمز للحزم”، لكنه أشار إلى أن تمرير القانون “قد يضر بصورة إسرائيل دوليًا أكثر مما يفيدها، في ظل تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب في غزة”.
وأكد هلسة أن إسرائيل “تمارس سياسة الإعدامات الميدانية فعليًا، وما يجري هو محاولة لإضفاء غطاء قانوني على جريمة قائمة”، مضيفًا أن هذا التشريع “يكشف عمق الأزمة السياسية والأخلاقية داخل إسرائيل”.
بين الردع والإبادة
وبينما تروّج الحكومة الإسرائيلية لمشروع القانون باعتباره وسيلة “ردع”، يرى مراقبون أنه يشكّل خطوة إضافية نحو تكريس نظام الفصل العنصري والانتقام الجماعي ضد الفلسطينيين، ويمثل تجسيدًا للتحول الخطير في الخطاب الإسرائيلي من “السيطرة” إلى “الإلغاء والإبادة”.
ويحذر محللون من أن إقرار القانون سيقوّض ما تبقّى من صورة إسرائيل في الغرب، خاصة بعد أن بدأت بعض الأصوات داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته — مثل الحاخام لاندو — تدق ناقوس الخطر من “تحوّل الدولة إلى كيان عقائدي انتقامي يفقد بوصلته الأخلاقية”.