في صباحٍ عاديّ، كان محمود الدره يتوجّه لجمع الحطب بالقرب من خيام النزوح في خان يونس، غيرَ مدركٍ أن ذلك اليوم سيكون بداية عذابٍ سيلازمه ما تبقّى من عمره.
من مسافةٍ بعيدة، ومن دون أن يسمع طلقةً، اخترقت قدمَه رصاصةٌ صامتة.
وعندما وصله جنود الاحتلال، لم يكن هدفهم مجردَ اعتقالٍ، بل تعذيبٌ مقصود؛ داسوا جرحه، وسكبوا فوقه مشروباتٍ غازية وهم يضحكون. كانوا يعرفون اسمه، ويعرفون أباه وأمَّه، ويعرفون شقيقه الشهيد محمد الدّرة — وكأنهم يعاقبونه باسمه.
قال لي فورًا: "تعال يا ابن جمال الدّرة؛ كانوا يعرفون أبي وأخي محمد."
سُحب محمود إلى غرفةٍ كبيرة، وتعرّض للضرب بلا توقف حتى بُترت ساقه داخل المعتقل. ربطوا قدمه بقوة، وتركوه حتى تعفّنت، وهدّدوه بقتل أمه وأبيه. تسعُ ساعاتٍ والقدمُ تنزف، بلا علاج، بلا رحمة، بلا أمل.
في كل ثانيةٍ كان الدم يكتب الحكاية ويفتح الجرح من جديد، لأن محمود لم يكن يدفع ثمن خطأٍ ارتكبه، بل كان يدفع ضريبةَ الاسم… واسمَ العائلة… واسمَ الشهيد الذي سبقه إلى الموت.
في الشهيد محمد نرى طفلًا لم يكن يعلم أن لحظة صمتٍ خلف برميلٍ ستصبح وثيقةً في تاريخٍ أطولَ من عمره.
وفي محمود نرى شابًّا يُعاقَب ليس على فعلٍ ارتكبه، بل على وجوده، على حمله اسمًا، على كونه أخًا لمحمد.
القصة هنا ليست مجردَ حكاية اعتقالٍ أو جرحٍ أو فقدانِ قدمٍ، بل هي قصةٌ عن القسوة المُوجَّهة باسم الهوية، عن التعذيب الذي لا يُروى إلا بصورٍ نادرة، عن لحظةٍ تتحول إلى إرادةٍ للكشف والمساءلة والعدالة.
ولأن خلفيةَ محمد الدّرة معروفة، فإن قصةَ محمود تُجسّد امتدادًا مأساويًا: ألمًا جديدًا تحت الاسم نفسه، والانتماء نفسه، والاعتبار نفسه.
محمود هو شقيق الشهيد محمد الدّرة، الذي استُشهد في صباح 30 سبتمبر/أيلول 2000، أثناء اندلاع أحداث الانتفاضة الثانية، حينما كان محمد مع والده جمال في شارع صلاح الدين في غزة. فتح الجنود الإسرائيليّون النار عليهما، فاحتميا خلف برميلٍ إسمنتي، لكن الرصاص اخترق الحماية، واستُشهد الطفل البالغ من العمر نحو 12 عامًا.
غير أن قصته ظلّت تُروى حتى اليوم، لتصبح أيقونةً خالدةً في الذاكرة الفلسطينية والإنسانية.