في يومٍ مفعمٍ بالرمزية والعزّة، أحيا اللبنانيون يوم الشهيد، تخليدًا لذكرى من خطّوا بدمائهم طريق المقاومة، مؤكدين أن الشهادة في لبنان وفلسطين ليست حدثًا عابرًا، بل مسارٌ متواصل يوحّد مصير الشعوب التي تواجه الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب اللبناني حتى غزة المحاصرة.
ومنذ عملية الشهيد أحمد قصير عام 1982، التي استهدفت المقر العسكري الإسرائيلي في مدينة صور، تحوّل هذا اليوم إلى موعدٍ سنويٍّ لتجديد العهد مع دماء الشهداء، واستحضار مسيرة المقاومة التي كرّست لبنان كعنوانٍ للكرامة والصمود.
في الجنوب والبقاع وبيروت، احتشدت الجماهير، وارتفعت صور القادة والشهداء، وألقيت كلماتٌ أكدت أن المقاومة مستمرة ما دام الاحتلال قائماً، وأن الشهداء هم نبراس الطريق، ومصدر الإلهام لكل أحرار الأمة.
هذا العام حمل طابعًا استثنائيًا، إذ يوافق أول يوم شهيد بعد ارتقاء الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، الذي لطالما كان حاضراً في هذه المناسبة خطيبًا ومتغنيًا بالمجاهدين.
اليوم، يراه أنصاره "سيد شهداء الأمة"، وقد التحق بركب من نذروا حياتهم للمقاومة، ليبقى حضوره المعنوي مشعًّا في ذاكرة لبنان والعالم العربي.
ويستذكر اللبنانيون كلماته في إحدى المناسبات حين قال: “شهداؤنا أهل الإيمان والبصيرة، يتحركون في الوقت الصحيح والمكان الصحيح، لا يطلبون ثناءً من أحد، إنما يرجون ما عند الله.”
وحدة الدم والرسالة
وتتقاطع ذكرى يوم الشهيد في لبنان مع ما تعيشه فلسطين اليوم، من عدوانٍ إسرائيلي متواصل على غزة، وعمليات نسفٍ وتدميرٍ في خان يونس والمناطق الشرقية للقطاع.
وتحوّل إحياء اللبنانيين لهذا اليوم إلى رسالة تضامنٍ صريحة مع الشعب الفلسطيني الذي يقدّم بدوره قوافل من الشهداء يومًا بعد يوم.
ففي الخطب والمهرجانات، أكّد المتحدثون أن العدو واحد، وأن ساحات الجنوب وغزة جبهتان في معركةٍ واحدة ضد الاحتلال والاستكبار، وأن دماء الشهداء في لبنان وفلسطين تجري في مجرى واحد من العزّ والمقاومة.
الشهادة عقيدة تتوارثها الأجيال
الاحتفال بيوم الشهيد لا يقتصر على التكريم الرمزي، بل يُعتبر محطة لتجديد الوعي الجمعي بمفهوم الشهادة كقيمة روحية ووطنية.
فالشهداء، كما يصفهم قادة المقاومة، هم "أهل العمل والجهاد والصبر، الذين قدّموا حياتهم دون أن يطلبوا جزاءً إلا من الله".
وفي مدارس الجنوب ومخيمات اللاجئين، تُقام فعاليات تربوية وثقافية تُذكّر الأجيال الجديدة أن مقاومة الاحتلال ليست خيارًا، بل واجبًا وجوديًا يورث من الآباء إلى الأبناء.
رسائل اليوم
الرسالة الأبرز في يوم الشهيد هذا العام، أن دماء نصر الله ورفاقه في لبنان، ودماء الشهداء في غزة، قد وحّدت البوصلة من جديد نحو القدس.
وفي وقتٍ تحاول فيه قوى الاحتلال فرض واقعٍ جديد على الأرض، تُعيد المقاومة عبر هذه الذكرى التأكيد على أن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن الشهداء ما زالوا الحاضرين في الميدان والضمير.
في هذا اليوم، لا يُحيي لبنان شهداءه فحسب، بل يُجدّد العهد مع فلسطين، بأن الطريق الذي بدأه أحمد قصير في صور، وأكمله الشهداء في غزة، سيبقى طريق الحرية حتى النصر.