قائمة الموقع

الضمّ الزاحف: كيف تُنفّذ "إسرائيل" أكبر عملية تهجير صامت في الضفة

2025-11-14T17:13:00+02:00
الرسالة نت- متابعة

بعيداً عن صخب الأخبار اليومية، ومن دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة، تتواصل في الضفة الغربية واحدة من أكبر عمليات الضمّ والتهجير الصامت التي تُنفّذها "إسرائيل" منذ عقود. 
فبينما ينشغل الرأي العام بالهجمات العنيفة التي يقودها المستوطنون، يجري في الظلّ مسار أكثر خطورة وفاعلية: تحويل مساحات شاسعة من الضفة الغربية إلى مناطق مغلقة أمام الفلسطينيين، ومفتوحة بالكامل أمام الإسرائيليين والمستوطنين.

هذا التقرير، المأخوذ من تحليل الصحفية الإسرائيلية عميره هاس في صحيفة هآرتس، يسلّط الضوء على هندسة الضمّ الهادئ، وعلى الأدوات الإدارية والقانونية التي تستبدل اليوم البنادق في فرض واقع جديد على الأرض.

كتائب “يشعستان”

وتشير هاس في مقدمة تحليلها إلى الحضور المتزايد لما تُسميه بـ”كتائب الهجوم” التابعة لـ«يشعستان»، وهي ميليشيات استيطانية تعمل بإخلاص لتفريغ أكبر مساحة ممكنة من الفلسطينيين عبر الاعتداءات المباشرة وتهديد حياة المزارعين والرعاة والقرى الريفية.

غير أنّ ما يحصل على الأرض ليس مجرد اعتداءات عشوائية، بل هو – كما تقول الكاتبة – جزء من منظومة منهجية تستهدف تغيير التركيبة السكانية، وترسيخ سيطرة المستوطنات على المناطق الزراعية والمراعي الحيوية.

نموذج الضمّ الصامت

وتشرح هاس بأن الضمّ الأخطر هو ذاك الذي لا يسمع أحد صوته، ويجري بهدوء وبموافقة القضاء الإسرائيلي. هذه العملية تُعرف باسم “منطقة التماس”، وهي مساحة تبلغ نحو 320 ألف دونم، تقع بين جدار الفصل العميق داخل الضفة وبين الخط الأخضر.

هذه المنطقة مفتوحة للإسرائيليين والسياح دون قيود، ومغلقة بالكامل أمام سكانها الأصليين الفلسطينيين، وتتسع فيها المستوطنات غير القانونية بشكل محمي ومشجّع.

ومنذ أكثر من عامين، يغامر مزارعون فلسطينيون من قرى قلقيلية ويعبد بمحاولات يائسة للوصول إلى أراضيهم عبر تصاريح محدودة ومهينة. 
وحين يحصلون على تصريح ليومين أو ثلاثة لموسم الزيتون، يعودون بقلوب مكسورة بعد رؤية الخراب: أشجار يابسة، آبار مطموسة، وحقول محروقة تحت أعين الجيش.

خدعة “الاعتبارات الأمنية”

وتذكّر هاس بأن الفلسطينيين ومنظمات حقوق الإنسان كانوا أوّل من حذّر، منذ بداية التشييد، من أن مسار جدار الفصل يهدف إلى ابتلاع مزيد من الأراضي الزراعية الخصبة. يومها، أنكر المسؤولون الإسرائيليون ذلك، وادّعوا أن “الأمن وحده” هو السبب.

أما اليوم، فتقول الكاتبة إن الحقيقة باتت صارخة: الجدار لم يكن أمنياً فقط، بل كان أداة لإعادة رسم الحدود فعلياً، وإبقاء أكبر قدر من الأرض بأقل عدد من الفلسطينيين

الجيش يشرعن العنف

وتسجّل هاس أن المستوطنين لا يحتاجون إلى وثائق ولا خرائط لفرض سيطرتهم؛ إذ يكفي أن يضعوا كرافاناً أو كوخاً خشبياً على بُعد مترين من كروم الزيتون الفلسطينية، ثم يدّعوا لاحقاً أنّ وجود المزارعين “يهدّدهم”.

بهذا الادعاء، تتحول أي محاولة فلسطينية لقطف الزيتون إلى “خطر أمني”، وتصبح اعتداءات المستوطنين عملاً “دفاعياً”، بينما يصبح وجود الفلسطيني في أرضه “جريمة”.

القضاء كأداة ضمّ

وتوثّق هاس كيف تتحوّل القوانين العسكرية والأوامر الإدارية وقرارات محكمة العدل العليا إلى أدوات لشرعنة التهجير الصامت. فكل بئر ماء، وكل سوق موسمية، وكل فعالية ثقافية أو جولة سياحية في مناطق مصنّفة (ج)، تُعامل كأنها “مخالفة يعاقب عليها القانون”.

في “منطقة التماس”، تتعمّق هذه المعادلة حتى يُصبح الفلسطيني محتجزاً بين بيته الذي يحتاج تصريحاً للإقامة فيه، وقريته التي لا يستطيع دخولها دون إذن، وأرضه التي صارت “منطقة ممنوعة”

“قائمة العزل”

وتشير هاس إلى خطوة خطيرة اتخذتها "إسرائيل" مؤخراً بإضافة ثلاث قرى شمال غربي القدس إلى منظومة “التصاريح السكنية”، وهي بيت إكسا والنبي صموئيل والحلايلة.

هذه القرى، المعزولة فعلياً منذ عشرين عاماً، أصبحت اليوم رسمياً جزءاً من “نظام الإقامة بالتصريح”. المئات من سكانها لم يحصلوا على التصاريح، والعشرات تلقّوا بلاغات بالرفض النهائي. وبذلك يصبح موظف إسرائيلي هو الذي يقرر من يسكن بيته، ومن يُهجّر صامتاً.

وتختتم هاس تحليلها بسؤال مركزي، لماذا لا يتحرّك المجتمع الإسرائيلي ضد هذا التهجير الهادئ؟.

والإجابة، كما تقول، أنّ معظم الإسرائيليين يستفيدون مباشرة أو غير مباشرة من الضمّ الصامت، باعتباره “استثماراً عقارياً وطنياً”. فالضمّ الذي يضاعف أراضي الدولة ويمنح المستوطنات ثروة هائلة يتمّ تحت غطاء شعارات أمنية، بينما لا يرى الإسرائيليون في الفلسطينيين سوى “رعايا بلا حقوق”.

اخبار ذات صلة