ليلة الغرق في غزة ليست مطرًا يداعب الشرفات ولكنها كانت صفحة إضافية في كتاب المعاناة التي يعيش تفاصيلها الناس هنا كل يوم.
في ساعات ما قبل الفجر، حين كان المخيم غارقًا في سكونٍ هشّ، بدأت السماء تهدر. هطلت الأمطار بعنف، كأن الغيوم كانت تختزن غضبًا طويلًا. وما إن لامست القطرات الأولى أسقف الخيام الرقيقة حتى بدأ السباق بين الناس والزمن.
تقول (أم محمد) وهي تحاول رفع بطانية مبتلّة فوق عامود خشبي: "ما لحقنا نمدّ إيدينا… المي دخلت فجأة، صحّيت ولادي لقيتهم نايمين في بركة. قلبي وجعني"، ثم تضيف بصوت مخنوق، "إحنا مش طالبين إلا ستر… خيمة تحمينا من فوق."
في خيمة مجاورة، كان (أبو علاء) يحاول إخراج المياه بعلبة بلاستيكية، وكلما فرغت امتلأت من جديد. يقول وهو ينظر إلى أرضية الخيمة التي تحولت إلى وحل: "صرخنا واتصلنا بكل الجهات… مية مناشدة.. بس مين يسمع؟ الخيام من أول نقطة بتستسلم للمطر!!"
الأطفال، بأقدامهم الصغيرة، كانوا يقفزون بين بقع الطين، بعضهم بدافع البرد وبعضهم خوفًا. الصغيرة هلا، ذات السنوات السبع، كانت تضم معطفها حول جسدها النحيل وتقول: "كنت خايفة الخيمة توقع علينا. المياه كانت تدخل مثل النهر."
وعند الممر الرئيسي للمخيم، وقف شاب متطوع يحاول تهدئة الناس وتوجيههم، بينما ترتفع حوله الأصوات:
"يا جماعة الخيمة غرقت!"
"وين نروح؟!"
"الولاد بردانين!"
وفي طرف آخر من المخيم، كانت امرأة خمسينية تبكي وهي تجمع ما أمكن من أمتعتها فوق طاولة مائلة:
"هدول كل اللي ظل من بيتنا… حتى هاد الليلة ما رحمته."
كان المخيم بكامله يتحرك ككتلة بشرية قلقة؛ رجال يركضون لتثبيت الحبال التي انقطعت بفعل الريح، نساء يحاولن إنقاذ ما تبقّى من فراش، وأطفال يرتجفون في أحضان أمهاتهم.
تحولت الطرقات إلى أنهار طينية، وكل خطوة كانت تحتاج شجاعة، فالأرض تبتلع الأقدام بصمت.
كانت صرخات الناس تختلط بصوت المطر، كأن السماء تستمع لكل كلمة. صرخة امرأة تطلب مصباحًا، صرخة أب يبحث عن دواء لطفله المريض، صرخة مسنّ تبللت أغطيتُه ولم يعد يستطيع الوقوف!
وفي كل زاوية، كانت هناك حكاية تتكرر بصوت مختلف: "غرقنا… والله غرقنا."
تلك الليلة لم تكشف فقط ضعف الخيام، بل كشفت هشاشة كل ما يحاول الناس الاتكاء عليه.
لم تكن مجرد ليلة مطر، بل ليلة انهارت فيها المسافات بين الماء والوجع، بين السماء والخوف، بين البرد والصبر.
نامت غزة مبتلة، موجوعة، لكنها رغم كل شيء، كانت تستيقظ في كل خيمة على همسة مقاومة صغيرة: "نضل واقفين… ولو في الطين!".