قائمة الموقع

محمد أبو العز… خرج من السجن بنصفِ جسدٍ وروحٍ عاجزة

2025-11-15T13:16:00+02:00
محمد أبو العز… خرج من السجن بنصفِ جسدٍ وروحٍ عاجزة
الرسالة نت- خاص

لم يكن محمد أبو العز، ابن التاسعة عشرة، يعرف أن عبوره حاجز الحمرا في ذلك اليوم من فبراير/شباط 2024 سيكون آخر خطوة يمشيها بقدميه قبل أن يدخل عالمًا آخر لا يشبه الحياة بشيء.

كان عائدًا إلى رام الله، يحمل شبابه وخططه الصغيرة وصحته الكاملة… لكن السجن، كما يروي اليوم، قرّر أن يعيده إلى عائلته جسدًا لا يتحرك ونصفًا سفليًا بلا إحساس.

منذ اللحظة الأولى لاعتقاله الإداري، لم تكن لمحمد تهمة تُقرأ في سجل، ولا محكمة ينتظر موعدها، ولا حتى تفسير واضح لسبب احتجازه. دخل السجن واقفًا، سليمًا، قويًا… لكنه سيخرج منه محمولًا على كرسي، وظهره يحمل ضربة بدّلت قدره كله.

يروي محمد تفاصيل لا تُحتمل. كان عائدًا من زيارة لمحاميه حين حاصره السجانون وانهالوا عليه ضربًا على ظهره. ضربة واحدة — يقول — كانت بداية رحلة الألم. لكنه لم يكن يعلم أنها الضربة التي ستفصل نصف جسده عن النصف الآخر، وتقتطع من شبابه ما لا يُعوَّض.

في الأيام التالية، بدأ الألم يشتعل في ظهره مثل نار لا تهدأ. ناشد إدارة السجن لمدة شهر كامل أن يُنقل إلى العيادة. شهرٌ من الطرق على باب لا يُفتح، ومن أنينٍ يضيع في جدران الزنزانة.

وحين نُقل أخيرًا، لم يجد طبيبًا يعالج، بل وجد مسكنات تُسكِت الألم مؤقتًا، ثم ضربًا جديدًا وإهانات تُضاف إلى رصيد طويل من القسوة.

بعد أسابيع من التدهور، استيقظ محمد ذات صباح وهو لا يشعر بقدميه. حاول أن يرفع ساقه، فلم تتحرك. حاول أن يقف، فسقط. هناك، داخل تلك العيادة التي سُمّيت “عيادة”، فهم أن الضربة لم تترك له سوى نصف جسد يعمل… وأن النصف الآخر قد اختفى.

نُقل إلى مستشفى سوروكا لإجراء عملية جراحية في عموده الفقري. لكنه حتى في المستشفى لم يُعامل كمريض؛ كان أسيرًا قبل كل شيء. أحد الجنود تعمّد نزع الإبرة من يده، فأسال الدم على جلده الضعيف، كما لو أن الألم امتداد للسياسة نفسها.

وبعد العملية، أُعيد إلى “عيادة” سجن الرملة، حيث أمضى أربعة أشهر ونصفًا في احتجاز يفتقر إلى العلاج وإلى الحد الأدنى من الإنسانية. كان يتألم بصمت، يعجز عن الحركة، ويُترك وحيدًا مع جسد نصفه ميت ونصفه يئن.

أما والدته، ميرا كراكرة، فتروي رحلتها مع ابنها كمن تتحدث عن كابوس لا تستيقظ منه. تقول إن محمد دخل السجن “بصحة ممتازة”… وخرج “مشلولًا”. لم تكن تعرف أين هو لشهور، إلى أن أخبرها أسير مُفرَج عنه أنه يقبع في عيادة سجن الرملة بعد عملية في مستشفى سوروكا، عملية لم يُسمح للعائلة حتى أن تعرف بموعدها.

وتكشف، بمرارة أمّ، أن الإهمال الطبي المتعمد بعد إصابته أدى إلى تكوّن كيس التهابي في عموده الفقري، كان كافيًا ليخطف من ابنها القدرة على المشي.

هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير أكدا أن محمد تعرّض لعمليات تعذيب وضرب مبرح طوال فترة اعتقاله، وأن التدهور الصحي الذي أصابه كان نتيجة مباشرة للتنكيل المستمر، حتى أصبح عاجزًا عن الحركة، وعن تلبية احتياجاته الأساسية.

اليوم، يجلس محمد على كرسيه، نصفُ جسده لا يستجيب، والنصف الآخر يحاول أن يروي ما بقي فيه من حياة. يقول كلماته ببطء، وكأن كل جملة تستدعي ما لا يستطيع نسيانه: ألم الظهر، الإهانات، المسكنات التي لا تعالج، والعتمة التي كانت تزداد كل يوم.

لكن أكثر ما يقوله وجعًا هو الجملة التي تلخص قصته كلها:“دخلت السجن بصحة ممتازة… وخرجت منه عاجزًا.”

اخبار ذات صلة