غزّة بين خرائط واشنطن وأوهام ما بعد الحرب: كيف تفشل أميركا في إعادة اختراع الواقع؟

غزّة بين خرائط واشنطن وأوهام ما بعد الحرب: كيف تفشل أميركا في إعادة اختراع الواقع؟
غزّة بين خرائط واشنطن وأوهام ما بعد الحرب: كيف تفشل أميركا في إعادة اختراع الواقع؟

الرسالة نت- متابعة 

يقدّم الباحث والكاتب الأردني محمد أبو رمان قراءة تحليلية للخطة الأميركية لإدارة قطاع غزة بعد الحرب، معتبراً أنها ليست رؤية لإعادة إعمار أو معالجة أزمات، بل إعادة تدوير لأوهام سياسية وأمنية فشلت سابقاً في العراق وأفغانستان، وتستعد واشنطن لإعادة تجريبها مجدداً في غزّة، رغم إدراكها عجزها عن التحكم في الواقع.

المقال، المنشور على العربي الجديد ويحمل عنوان "إعادة اختراع غزّة... اجترار الأوهام الأميركية"، يمثّل نافذة لفهم الارتباك الأميركي وفوضى المقاربات التي تحاول واشنطن فرضها على المشهد الغزّي ما بعد الحرب.

ويؤكد محمد أبو رمان في افتتاحية مقاله أن جوهر المقاربة الأميركية ليس صياغة حل، بل شراء الوقت، وإدارة مرحلة الانهيار الإنساني والسياسي في القطاع بوسائل مؤقتة غير قادرة على الصمود. 

ويشير إلى أن الوثائق التي كشفتها صحيفة الغارديان حول "المنطقة الخضراء" المخصّصة لقوى دولية وإسرائيلية، ووثيقة "ASC" للمجتمعات الآمنة، تُظهر حجم التخبط الأميركي تجاه ما تريده حقاً في غزة.

فبحسب الكاتب، لا تعرف واشنطن كيف سيبدو القطاع بعد سنوات قليلة، وتنتقل في خططها بين نماذج متناقضة، ما يجعل الخطة أقرب إلى مشروع تجريبي هشّ، لا يستند إلى فهم الواقع الاجتماعي والسياسي في غزة.

أوهام قديمة بصياغة جديدة

ويذكّر أبو رمان بأن واشنطن تعيد اليوم إنتاج الفكرة نفسها التي تبنتها منذ عام 2007: نموذج "غزّة الطالبانية" مقابل "الضفة الليبرالية".

ويقول إن الأميركيين والإسرائيليين اعتقدوا لسنوات أن الفلسطينيين سيقارنون بين "النموذجين"، ويميلون تلقائياً إلى النموذج المدعوم غربياً. لكن النتيجة كانت العكس تماماً: الانقسام تعمّق، ولم يسقط حكم حماس، ولم تتشكّل أي بدائل حقيقية.

ويرى أن إعادة طرح فكرة "غزّتَين" اليوم—جنوب خاضع لإشراف دولي وشمال مفتوح للصراع—تعبّر عن سذاجة سياسية، كأن الإدارة الأميركية تتجاهل أن المجتمعات لا تُقسّم على الورق، وأن الخطوط التي تُرسم في غرف مغلقة لا يمكنها إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي.

استنساخ التجارب الفاشلة

ويبرز أبو رمان تشابهاً لافتاً بين خطة غزة والمحاولات الأميركية السابقة في العراق وأفغانستان: الصناعة المتعجلة لقوى محليّة بلا جذور، تُمنح صلاحيات أمنية محدودة وتُعزل عن القوى الفاعلة على الأرض.

ويقول إن واشنطن تراهن مجدداً على "وجوه محلية غير حزبية" كبديل عن الفصائل، وهو نموذج تكرر فشله، إذ تفتقر هذه الكيانات للشرعية السياسية، وتتحول سريعاً إلى أدوات صراع أو مؤسسات بلا فعالية.

ويؤكد أن الأميركيين يدركون عجز "إسرائيل" عن إنتاج نموذج مستدام لما بعد الحرب، لذلك يختارون صياغة حلول مراوغة تضمن لإسرائيل "وقتاً إضافياً" لا أكثر.

افتراضات لا تصمد أمام الواقع

ويشير أبو رمان إلى وجود تناقض بنيوي في الخطة الأميركية، التي تستند إلى افتراضات غير واقعية، منها:

1. أن المجتمع الغزّي سيقبل صيغة أمنية دون شرعية سياسية.

2. أن قوة محلية غير منتخبة يمكن أن تؤدي وظيفة دولة كاملة.

3. أن "إسرائيل" لن تتدخل لتعديل الخطة وفق مصالحها.

4. أن القوى الإقليمية ستبقى متفرجة.

ويعتبر هذه الفرضيات "قنبلة موقوتة"، لأن غزة—كما أثبتت تجارب 2007 و2014 و2023—قادرة على قلب الطاولة على كل الخطط الخارجية.

غزّة ليست نسخة من أحد

وبفقرات نقدية لاذعة، يصف أبو رمان الوثائق الأميركية بأنها "مثال على أزمة المعرفة" لدى واشنطن، التي ما تزال تفكر بغزّة من خلال نماذج هندسية مجردة، لا من خلال حقائقها العميقة:

شبكة اجتماعية مقاومة للتغيير المفروض.

قوة سياسية وعسكرية متجذرة.

مجتمع قادر على إعادة إنتاج سلطته وقواعده.

أطراف إقليمية فاعلة لن تسمح بفراغ سياسي.

ويؤكد أن الأميركيين يعرفون جيداً أن غزة ليست بغداد ولا كابول، وأن الفاعلين المحليين فيها يمتلكون قدرة أعلى على تشكيل الأحداث وصناعة المعادلات.

ويختتم محمد أبو رمان مقاله بخلاصة حادة: "غزّة اليوم تُدار بالافتراضات، لا بالخطط. كل شيء مفتوح: قد تتجاوز الوقائع التصورات كلها، وقد يولد نموذج جديد بعيداً عن المنطقة الخضراء وغزّتَي واشنطن."

ويشير إلى أن الواقع في غزة لا يُصنع في غرف السياسة الدولية، بل على الأرض التي أثبتت تاريخياً أنها تفاجئ الجميع، وتعيد تشكيل مستقبلها بطرق لا تملك واشنطن ولا تل أبيب قدرتها على التحكم فيها.